محمد إبراهيم حجاج: في معية الحرف والكلمة.

عطا درغام
2026 / 8 / 21

بين دقة الأرقام وعذوبة الحروف، وبين صرامة الدوائر الإلكترونية وجموح الخيال الروائي، يبرز اسم المهندس والكاتب الشاب "محمد إبراهيم حجاج". هو أحد المبدعين الذين لم يستسلموا لجفاف التخصص التقني، بل جعل من الهندسة هيكلاً لبناء رواياته، ومن الأدب روحاً تحلق في سماوات الإبداع. في هذا الحوار، نبحر مع صاحب "وصية النداغ" في رحلة بدأت من مجلات الأطفال وامتدت لتشمل أكثر من 30 عملاً أدبياً متنوعاً، لنكتشف كيف يصوغ وجع الواقع بقلب مؤمن، وعقل لا يتوقف عن الابتكار.
المحور الأول: البدايات الأولى وجذور الشغف
1. كيف تشكلت ملامح البراءة في قلوب الصغار مقارنة بعالم اليوم الذي أشرت إلى قسوته وتعقيداته؟ وكيف أنقذتك طفولتك من ضغوط الحاضر؟
في غابر الأزمان، لم يكن هناك ما يدفع ملامح الطفولة للتبدل أو القسوة، فقد كان زمناً ليناً يفيض بالجمال. أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال؛ وتتجلى قسوة هذا العصر حين ينشأ الطفل في بيئة تغيب عنها نضارة الحياة، فيتعثر في دروبها، ومن يفتقد اليقين والحمد والقدرة على المواصلة، يسقط في فخ التعقيد. لقد نَعِمتُ بطفولة في ذلك الزمن الوديع، وأؤمن تماماً أن من تربى في معية الله وبذكره، يظل ثابتاً لا تغيره عوادي الزمن.

2. ذكريات القراءة المبكرة مع مجلات "سبايدرمان" و"ميكي" شكلت حجر الأساس؛ فهل تظن أن أدب الأطفال والقصص المصورة يتركان أثراً حقيقياً في تشكيل عقل الكاتب مستقبلاً؟

بلا شك، تلك المجلات تترك أثراً غائراً في الوجدان؛ فهي المحرك الأول الذي ينمي الخيال ويغرس بذور الثقافة في عقل الطفل، مما يسهم في تشكيل وعيه الأدبي مستقبلاً.
3. "لعنة هوز" كانت أول قصة قصيرة لك عن إله فرعوني؛ ما الذي جذبك لتاريخ الفراعنة والأساطير في تلك السن المبكرة؟
إنها جذور بلادي وحضارة أجدادي؛ فأنا مصري حتى النخاع. كنت نهماً للقراءة في تاريخنا القديم، فدفعتني تلك القراءات لنسج قصة مغايرة تتناول عبق الحضارة المصرية، ولكن برؤية وأسلوب مختلفين، آملاً أن تكون تلك الخطوة هي بوابة المعرفة والانتشار.
4. كيف استقبلت والدتك بداياتك الأدبية بتشجيعها "جميل يا محمد استمر"، وما تأثير هذا الدعم الأسري البسيط على استمرار مسيرتك؟

كانت والدتي وزوجتي -حفظهما الله- هما الركن الشديد الذي أويتُ إليه في بداياتي؛ فمنذ نعومة أظفاري كنت أعكف على كتابة قصص لم تكن وقتها مهيأة للنشر، ومع ذلك كان تشجيعهما، وبالأخص والدتي، هو الوقود الذي دفعني للاستمرار وعدم التوقف.

5. متى شعرت لأول مرة أن الكتابة لم تعد مجرد هواية عابرة، بل هي "أمانة"؟

تجلى لي هذا الشعور بوضوح عند كتابتي لقصة "المصاعد"؛ فحين رأيت ذلك الإقبال الكبير عليها، ولمست كلمات التقدير الصادقة التي أثلجت صدري وحصلتُ من خلالها على شهادات تكريم، أدركتُ حينها أن الكلمة مسؤولية وأمانة أودعها الله بين يدي.

المحور الثاني: بين قسوة الهندسة وعذوبة الأدب
1. تجمع في هويتك بين دقة مهندس الاتصالات وعالم الخيال الأدبي؛ كيف وفقت بين هذين العالمين المتناقضين؟

التوفيق في المقام الأول هو منحة من الله سبحانه وتعالى، ثم يأتي دور السعي وتنمية الموهبة؛ سواء كان ذلك خلال سنوات الدراسة الجامعية أو عبر نوافذ التواصل الاجتماعي، فالمثابرة تجعل المستحيل ممكناً.

2. كيف استطعت الحفاظ على جذوة الكتابة وسط بيئة أكاديمية تقنية جافة؟

لم يكن الأمر هيناً، بل كان تحدياً حقيقياً. كنت أغتنم لحظات الفراغ، وحين يهبط عليّ الوحي بفكرة ما، أسارع لتدوينها على الورق ثم أنقلها إلى هاتفي لأحتفظ بها، كما كنت أحرص على المشاركة في المسابقات الأدبية التي تنظمها الجامعة لأبقي شعلة الإبداع متقدة.

3. حصولك على المركز الرابع في مسابقة "إبداع" بوزارة الثقافة كان نقطة تحول؛ ماذا تعني لك هذه الشهادة الرسمية؟

لقد كانت بمثابة شعلة نشاط متجددة، منحتني الدفعة القوية لإثراء مخزوني الإبداعي، وانطلقتُ بعدها بآفاق أوسع في صياغة قصص وروايات وقصائد جديدة، مؤمناً بأن الاعتراف الرسمي هو تصديق على مشروعية الموهبة.

4. هل ساعدتك العقلية الهندسية في بناء حبكات رواياتك وهندسة فصولها؟

بالتأكيد، كان لتلك العقلية المنظمة أثر كبير، لكنني أؤمن أن هناك عاملاً وجدانياً وإبداعياً أعمق بكثير هو من يقود دفة الكتابة عندي ويوجه الحبكة.

5. كيف تصف شعور الشاب الذي يرى كلماته تتحول إلى كتب مطبوعة على أرفف المكتبات؟

هو شعور يمتزج فيه الأمل بالتفاؤل؛ فرحة غامرة بأن تلك الموهبة لم تُهمل أو تُترك لتأكلها الأرفف، بل صُقلت وطُورت لتخرج إلى النور في أبهى صورها.

المحور الثالث: عوالم الرواية والكتابة (من فقاقيع إلى وصية النداغ)
1. روايتك الأولى "وصية النداغ" جاءت احتراماً لذكرى د. أحمد خالد توفيق؛ كيف أثر "أبوك الروحي" في تكوينك؟

لقد كان تأثيره عميقاً وشاملاً؛ مسّ فكري وأسلوبي ومشاعري، بل طال مسيرتي الأدبية برمتها. إن كل ما سطره هذا الرجل يمثل لي فخراً واعتزازاً، وهو الذي صاغ ذائقتي الأدبية ببراعة.

2. إلى أي مدى تحب الغوص في دوافع "المجرمين" والأنفس المعذبة في أعمالك؟

لا يستحوذ هذا الجانب على كتاباتي بشكل مطلق، لكنني أسعى دوماً لتطوير أدواتي في مختلف الأجناس الأدبية، محاولاً سبر أغوار النفس البشرية بتناقضاتها وتجسيد الأنفس المعذبة التي صنعتها ظروفها.

3. ما هي الفلسفة التي تحكم اختيارك لعناوين أعمالك؟ ولماذا تغير عنوان "مقبرة الإله"؟

أسعى دوماً لأن يكون لكل عنوان دلالة أو لغز يغري القارئ. أما بخصوص رواية "مقبرة الإله"، فقد قمت بتغيير اسمها إلى "يوجينيوس" تجنباً لأي شبهة شرعية، رغم أن مقصدي كان الإشارة إلى حضارة الفراعنة الذين كانوا ينصبون ملوكهم كآلهة.

4. ماذا تمنحك كتابة الخاطرة "خربشات مهندس" مقارنة ببناء الرواية؟

لم أكن أتوقع يوماً أن أحترف كتابة "الخربشات"، ولكنني وجدت نفسي أنساق خلف هذه الحالة، متقمصاً روح "كافكا" في التعبير، ولكن بأسلوبي الخاص ومشاعري الذاتية.

5. تعرضت روايتك "مشنقة إبليس" لظروف عدم الانتشار؛ كيف يتعامل الكاتب مع خيبة الأمل التجارية لعمله؟

الحل يكمن في التسليم المطلق لله مع مواصلة السعي، والحرص على حماية الملكية الفكرية للأعمال، والصبر حتى يقيض الله لها دار نشر تقدر قيمتها الحقيقية.

المحور الرابع: المجموعات القصصية والرؤية الثقافية للمجتمع
1. كتابك "حدوتة مصرية" يوثق مجموعة قصصية من نبض الواقع؛ ما هي أبرز ملامح الشخصية المصرية التي تحرص على تخليدها؟

لست أسعى لتجسيد شخصية واحدة بعينها، بل أحاول في كتاباتي رصد وتحليل الشخصية المصرية بكل أبعادها، مشاعرها، وتناقضاتها، مستعرضاً أنواع النفوس البشرية وما تنطوي عليه صفحاتهم من أسرار.

2. كيف ترى أهمية المشاركات الجماعية في دعم المشهد الثقافي؟

للمشاركات الجماعية أهمية كبرى في إثراء الموهبة وزيادة مساحة الانتشار المعرفي، لكنني أرى أن العمل الفردي يظل هو الأفضل في توطيد الصلة بين الكاتب وقارئه، حيث يمنح القارئ فرصة التركيز الأعمق على أسلوب وفكر كاتب معين يحب القراءة له.

3. كتبت في الشعر بنوعيه العامي والفصحى؛ متى يلجأ الكاتب للقصيدة ومتى يهرب إلى سرد الرواية؟

الشعر يخرج من القلب كدفق شعوري خالص، أما الرواية فقد تنبع من القلب أيضاً، لكنها غالباً ما تكون تجسيداً لمواقف واقعية أو جموح خيال كاتب يسعى لتخليد موهبته وتثبيت أقدامه في عالم الأدب.

4. كيف تقيم تجربة التعاون مع دور النشر المختلفة في مصر؟

جميع الدور التي تعاملت معها كانت على قدر كبير من الاحترام، ولكل دار سياستها الخاصة في النشر، وأساليبها المتفردة في التوزيع والاشتراك في المعارض، مما يثري تجربة الكاتب.

5. من بين رصيدك الضخم، أي هذه الأعمال تشعر أنه الأقرب لروحتك؟

بلا منازع، رواية "وصية النداغ" هي الأقرب إلى قلبي وروحي، وهي التي تمثل جزءاً كبيراً من كياني وتجربتي الذاتية.

المحور الخامس: فلسفة الكتابة وآفاق المستقبل
1. كيف تحصن نفسك ككاتب ضد الغرور أو الإحباط؟

لستُ أنا من يحصن نفسه، بل أؤمن أن من كان في معية الله كفاه؛ فالتفويض واليقين هما الدرع ضد غواية الغرور أو مرارة الإحباط.

2. ما هي ملامح مشروعك الأدبي القادم الذي تعمل عليه في الخفاء؟

أعكف حالياً على مشاريع أدبية متنوعة؛ منها ما ينتمي لأدب الخيال العلمي، ومنها ما يمزج بين الواقع والدين والخيال في قالب سردي مختلف.

3. نصيحتك الذهبية "أن تحب ما تفعل"؛ كيف تترجمها عملياً في حياتك اليومية؟

أطبق هذه الوصية في كافة مناحي حياتي، ليس في المجال الأدبي فحسب، بل في عملي المهني الهندسي أيضاً، مفوضاً أمري لله في كل خطوة.

4. ما الذي يدفع مهندساً شاباً في مقتبل العمر لإصدار هذا الكم الهائل من الكتب؟

هو سعيٌ دؤوب لإعادة إحياء إرث أجدادنا ووصاياهم التي لا تزال حية في صدورنا وعقولنا، والعمل على أن يظل الكتاب خير سفير للهوية.

5. في الختام، ما هي رسالتك لكل من يمتلك موهبة ولك للعالم أجمع؟

نصيحتي للجميع: من يمتلك بذور موهبة فلا يتركها تندثر تحت تراب الإهمال، بل عليه بصقلها والسعي الدائم، والعمل في معية الله. أشكر الله أولاً على نِعمه، وأتمنى أن ينال ما أقدمه إعجاب القراء في وطننا العربي والعالم. وطموحي القادم هو توثيق هذا العمل الأدبي عبر شاشات التلفاز، ولعل هذا الحوار كان "فضفضة" أدبية تفتح آفاقاً جديدة، والله هو المعين.