|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 21
١/شهادة الدكتوراه
خرج من السجن ومعه شهادة الإفراج.
سألته اللجنة: ماذا درست؟
— لا شيء.
— ماذا كتبت؟
— بعض الرسائل.
— هل أدرت مؤسسة؟
— لا.
— هل قدت فريقاً؟
— لا.
— هل تعرف الاقتصاد؟
— لا.
— الإعلام؟
— قليلاً.
— الإدارة؟
— أبداً.
تبادل أعضاء اللجنة النظرات.
قال الرئيس: ممتاز.
— ماذا؟
— لديك أهم مؤهل.
— ما هو؟
رفع شهادة الإفراج.
— عشرين سنة .
في اليوم التالي أصبح مسؤولاً عن حركة تضم نصف مليون عضو.
بعد شهر أصدر أول قرار:"نحتاج إلى مزيد من الوقت".
كان هذا الشيء الوحيد الذي أتقنه في السجن.
٢/المنصب الشاغر
توفي رئيس الحزب،اجتمعت اللجنة.
-قال الأول:نحتاج إلى شخص مثقف.
-قال الثاني: لدينا أستاذ الجامعة.
— لم يسجن.
-قال الثالث: نحتاج إلى شخص إداري.
— لدينا مدير المؤسسة.
— لم يسجن.
-قال الرابع:نحتاج إلى شخص يعرف السياسة الدولية.
— لدينا دبلوماسي.
— لم يسجن.
سألوا:من سجن؟
رفع الجميع أيديهم،انتهى الاجتماع بسرعة،في صباح اليوم التالي عُيّن أكثرهم سنوات في السجن رئيساً.
سأل صحفي: ما برنامجه السياسي؟
قال الناطق: سيرته.
٣/ رواية من ستة آلاف صفحة
كتب المناضل السابق رواية عن سجنه،ستة آلاف صفحة:
-لا حبكة.
-لا شخصيات.
-لا بناء.
-ثلاثة آلاف صفحة عن التعذيب.
-ألفان عن الطعام.
-ألف عن أسماء المعتقلين.
قال الناشر: هذه ليست رواية.
قال الكاتب: لكنها تجربة حقيقية.
— صحيح.
— إذن هي رواية عظيمة.
— لا.
— لماذا؟
قال الناشر: لأنك عشتها.
— وهذا يجعلها أقوى.
— لا. يجعلها شهادة.
— وما الفرق؟
— الشهادة تحتاج إلى أن تكون حقيقية.
— والرواية؟
— تحتاج إلى أن تكون جيدة.
غضب الكاتب،في اليوم التالي نشر الكتاب.
على الغلاف:"الرواية التي هزت الأدب العربي"،بيع منها مئة ألف نسخة،لم يجرؤ ناقد واحد على القول إنها سيئة.
كان صاحبها قد سُجن.
٤/قائد بلا برنامج
أعلن القائد الجديد برنامجه الانتخابي.
سأله الصحفي:
ما خطتكم الاقتصادية؟ أمضيت خمسة عشر عامًا في السجن.
— نعم، لكن الاقتصاد؟
— تحملت التعذيب.
— هذا لا يجيب.
— قاومت.
— والتعليم؟
— لم أنكسر.
— الصحة؟
— لم أعترف.
— البطالة؟
— صمدت.
أغلق الصحفي دفتره.
في الخارج كان أنصاره يهتفون:
"من صمد في الزنزانة يستطيع أن يحكم الدولة!"،لم يسأل أحد كيف.
٥/ لجنة الأدب
ناقشت اللجنة رواية لكاتب سجين سابق،قال أحدهم: اللغة ضعيفة.
— لكنه سجين سياسي.
— الحبكة مفككة.
— لكنه سجين سياسي.
— الشخصيات مسطحة.
— لكنه سجين سياسي.
— النهاية رديئة.
ساد الصمت،قال رئيس اللجنة: لا نريد أن نظلمه.
— وكيف؟
— نمنحه الجائزة.
صفق الجميع،في اليوم التالي حصلت الرواية على جائزة "أفضل عمل روائي"،
أصبح الكاتب عضواً في لجنة تحكيم الروايات،صار يرفض الكتب بحجة: لا تحمل تجربة،كان يقصد السجن.
٦/دورة القيادة
أعلن الحزب عن دورة لتأهيل القيادات الجديدة:
-المادة الأولى: الاقتصاد السياسي.
-المادة الثانية: إدارة المؤسسات.
-المادة الثالثة: التخطيط الاستراتيجي.
-المادة الرابعة: الاتصال الجماهيري.
-المادة الخامسة: إدارة الأزمات.
-المادة السادسة:"هل سبق لك أن سُجنت؟"،من يجيب بنعم ينتقل مباشرة إلى القيادة،أُلغيت المواد الخمس الأولى بسبب ضيق الوقت.
٧/السيرة
كتب في سيرته:
-1978: اعتقال سياسي.
-1982: الإفراج.
-1983: عضو قيادة.
-1985: مسؤول ثقافي.
-1988: أمين عام.
1992: رئيس الحركة.
سأل صحفي: أين خبرتك في الإدارة؟
— السجن.
— الاقتصاد؟
— السجن.
— الثقافة؟
— السجن.
— العلاقات الدولية؟
— السجن.
— كيف يمكن للسجن أن يعلم كل هذا؟
ابتسم.
— لأنكم تؤمنون بذلك،وكانت تلك أول إجابة ذكية قالها في حياته السياسية.
٨/ الكاتب الذي أصبح قائداً
كان الكاتب ناجحاً،كتب خمس روايات عن السجن،ذات يوم اقترح الحزب ترشيحه لرئاسة الحركة.
قال: أنا روائي.
— وهذا ممتاز.
— لا أعرف شيئاً عن التنظيم.
— لديك خبرة في بناء الشخصيات.
— السياسة ليست رواية.
— لكنك كتبت عن السجون.
— وماذا؟
— عشت السلطة من الجهة الأخرى.
نظر إليهم طويلاً. أنتم تريدون مني أن أدير حركة لأنني عرفت كيف أكتب عن زنزانة؟
قالوا: لا.
سكتوا لحظة. نريدك لأنك معروف.
٩/ التقاعد المستحيل
قالوا للقائد: لقد أمضيت أربعين عاماً في القيادة.
— نعم.
— حان وقت التقاعد.
— أنا معتقل سابق.
— نعرف.
— وهذا يمنحني الحق.
— في ماذا؟
— في الاستمرار.
— لماذا؟
أخرج صورته القديمة من السجن.
— لأنني دفعت الثمن.
قال شاب: دفعت ثمن ماذا؟
نظر إليه القائد بغضب.
قال الشاب: أقصد: هل دفعت ثمن القيادة أيضاً.
كانت أول مرة منذ أربعين عاماً يُطرح عليه السؤال،لم يجد جواباً.
١٠/لجنة الكفاءة
قالت اللجنة: نريد قائداً يستطيع اتخاذ القرارات تحت الضغط.
تقدم السجين السابق. تعرضت للتحقيق تحت التعذيب.
— ممتاز.
— ونريد شخصاً يعرف إدارة الأزمات.
— عشت خمسة عشر سنة في المعتقل.
— ممتاز.
— ونريد شخصاً يفهم الاقتصاد.
صمت.
— لا أعرف.
— لا مشكلة.
— لكنني لا أفهم الاقتصاد.
— أنت سجين سياسي.
— وما علاقة ذلك؟
— لديك رصيد.
— رصيد في ماذا؟
لم يجب أحد،كانت كلمة "رصيد" قد أصبحت بديلاً عن كلمة «كفاءة».
١١/الكتاب المقدس للحركة
أصدر الحزب كتاباً بعنوان:"تجربة المناضل القائد"
-كلما أخطأ القائد، فتحوا الكتاب، تذكروا سجنه.
-كلما فشل في الانتخابات: تذكروا سجنه.
-كلما انهارت الحركة: تذكروا سجنه.
-كلما سُئل عن سبب بقائه: تذكروا سجنه.
بعد سنوات أصبح الكتاب مقدساً،وفي الصفحة الأخيرة كتب أحد الأعضاء سراً:"هل يمكن أن يكون الرجل قد دخل السجن لأنه كان مناضلاً، لا لأنه كان صالحاً للقيادة؟"،أُغلقت المكتبة.
١٢/ امتحان الأدب
وضعوا أمام الكاتب ورقة الامتحان:
-اكتب عن السجن،كتب خمس صفحات،نجح.
-اكتب عن التعذيب،كتب عشر صفحات،نجح.
-اكتب عن الجلاد،كتب عشرين صفحة،نجح.
-اكتب عن الحب،كتب صفحة واحدة،رسب.
-اكتب عن الإنسان الذي كنت عليه قبل السجن،ترك الورقة بيضاء.
قال الأستاذ: أخيراً كتبت شيئاً جيداً.
لكن لم تكن هناك جائزة للورقة البيضاء.
١٣/ المؤتمر
وقف القائد على المنصة: لقد علمنا السجن الصبر،صفقوا.
— وعلمنا التضحية.
صفقوا.
— وعلمنا القيادة.
صفقوا أكثر،رفع شاب يده: هل علمكم أيضاً كيف نحكم؟
سكتت القاعة،قال القائد: السؤال استفزازي.
— لماذا؟
— لأن السجن مدرسة.
قال الشاب: في ماذا؟
لم يجب.
كان الجميع قد حفظوا اسم المدرسة،ولم يسألوا عن المنهج.
١٤/ الرصيد الذي لا ينفد
قال له أحد أصدقائه: أخطأت.
— أنا معتقل سابق.
— لكنك أخطأت.
— دفعت الثمن.
— هذا لا يجعلك مصيباً.
— دفعت الثمن.
— أعرف.
— إذن انتهى النقاش.
بعد ثلاثين عاماً، صار الرجل يملك رصيداً من الاعتقال يكفي لتغطية أي خطأ،في النهاية أفلس الحزب،أما رصيده النضالي فظل كاملاً.
١٥/ بعد الخروج
خرج من السجن،قالوا له: اكتب.
كتب.
-قالوا: قد.
قاد.
-قالوا: تحدث.
تحدث.
-قالوا: ترشح.
ترشح.
قال: ماذا تريدون مني؟
أجابوه: لا نعرف.
— إذن لماذا فعلتم كل ذلك؟
قال أحدهم: لأنك كنت في السجن.
سأل: وماذا لو لم أدخل؟
صمتوا.
قال: ربما كنت سأصبح إنساناً عادياً.
ضحكوا.
كان "الإنسان العادي" في تلك الحركة تهمة أكبر من الخيانة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |