من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة الأمريكية؟

زياد الزبيدي
2026 / 8 / 19

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

19 آب أغسطس 2026

ثورة كانت بحاجة إلى رعاة دوليين

عندما أعلنت المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة إستقلالها عن بريطانيا عام 1776، لم يكن ذلك مجرد تمرد محلي ضد التاج البريطاني، بل كان حدثاً سرعان ما تحول إلى قضية دولية أعادت رسم توازنات القوى في العالم الأطلسي. وفي قراءته المنشورة في موقع "فوينويه أوبزرينيه"، يذهب الكاتب والمؤرخ الروسي ألكسندر سامسونوف إلى أن نجاح الثورة الأمريكية لم يكن ممكناً بالإعتماد على القدرات الذاتية للمستعمرات وحدها، بل جاء نتيجة تقاطع مصالح قوى كبرى، وفي مقدمتها فرنسا وروسيا.
ويرى الكاتب أن المستعمرات المتمردة كانت تواجه قوة بحرية وإقتصادية هائلة تمثلت في الإمبراطورية البريطانية، التي إمتلكت في تلك المرحلة أفضل أسطول بحري في العالم وأحد أقوى الجيوش الأوروبية. لذلك فإن إستمرار الثورة وتحولها إلى دولة مستقلة إحتاج إلى دعم خارجي سياسي ومالي وعسكري واسع النطاق.

فرنسا: الإنتقام من هزيمة سابقة

يقدم المقال فرنسا بوصفها الداعم الخارجي الأكثر أهمية للثورة الأمريكية. فبعد هزيمتها أمام بريطانيا في حرب السنوات السبع وخسارتها كندا ومواقع إستراتيجية أخرى، رأت باريس في التمرد الأمريكي فرصة تاريخية للإنتقام من منافستها التقليدية.
ومن هذا المنطلق بدأت فرنسا، بحسب الكاتب، تقديم المساعدة للمستعمرات الأمريكية بصورة سرية حتى قبل إعلان الإستقلال رسمياً. فقد جرى إنشاء قنوات إتصال غير معلنة مع قادة الثورة، ونُظمت عمليات نقل للأسلحة والذخائر والعتاد عبر شبكات تجارية خاصة هدفت إلى إخفاء الدور الفرنسي المباشر.
ويلفت سامسونوف إلى أن شخصيات فرنسية بارزة، مثل بيير بومارشيه وماركيز دي لافاييت، لعبت أدواراً مؤثرة في دعم الأمريكيين. وقد أصبح لافاييت رمزاً للتعاون الفرنسي الأمريكي بعدما إنضم طوعاً إلى قوات جورج واشنطن وشارك في العمليات العسكرية ضد البريطانيين.
في نظر الكاتب، لم يكن هذا الدعم تعبيراً عن إيمان فرنسي بالديمقراطية الأمريكية الناشئة بقدر ما كان إستثمارًا جيوسياسياً يستهدف إضعاف بريطانيا وتقليص نفوذها العالمي.

المال.. "دم الحرب"

يتوقف المقال مطولاً عند الجانب المالي، معتبراً أن التمويل كان عاملاً حاسماً في بقاء الثورة الأمريكية. ويستشهد الكاتب بأرقام تشير إلى حصول الأمريكيين على منح وقروض فرنسية بملايين الدولارات، إضافة إلى مساهمات إسبانية وقروض من المصارف الهولندية.
ويؤكد أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت أيضاً معركة إقتصادية ضخمة تطلبت موارد هائلة لتسليح الجيوش وتأمين الإمدادات ودفع النفقات التشغيلية.
وفي هذا السياق يبرز المقال إسم التاجر الأيرلندي أوليفر بولوك، الذي موّل جانباً مهماً من النشاط العسكري الأمريكي والإسباني ضد البريطانيين، حتى إنتهى به الأمر إلى إستنزاف معظم ثروته الشخصية.
ومن خلال هذه الأمثلة يحاول الكاتب إثبات أن إستقلال الولايات المتحدة لم يكن ثمرة بطولة عسكرية فقط، بل نتيجة شبكة معقدة من التمويل الدولي والمصالح الإقتصادية.

من الدعم السري إلى التحالف الرسمي

يرى سامسونوف أن نقطة التحول الكبرى جاءت بعد الإنتصار الأمريكي في معركة ساراتوغا عام 1777. فقد أقنعت هذه المعركة فرنسا بأن الثورة الأمريكية قادرة على الصمود والإنتصار، ما دفعها إلى الإنتقال من مرحلة الدعم غير المعلن إلى الإعتراف الرسمي بالدولة الجديدة.
وفي فبراير 1778 تم توقيع التحالف الفرنسي الأمريكي الذي إعترفت باريس بموجبه بالولايات المتحدة وقدمت لها دعماً عسكرياً مباشراً.
ويعتبر الكاتب أن دخول فرنسا الحرب غيّر طبيعة الصراع بالكامل. فبريطانيا لم تعد تواجه المستعمرات وحدها، بل أصبحت في مواجهة قوة أوروبية كبرى تمتلك أسطولاً ضخماً وقواعد ومستعمرات منتشرة حول العالم.
ثم تعقد الوضع أكثر مع دخول إسبانيا والجمهورية الهولندية إلى الصراع ضد بريطانيا، الأمر الذي أجبر لندن على توزيع قواتها بين جبهات متعددة في أوروبا والكاريبي والهند وأمريكا الشمالية.

يوركتاون: اللحظة الحاسمة

يمنح المقال أهمية خاصة للدور الفرنسي في معركة يوركتاون عام 1781، التي تعد المحطة العسكرية الحاسمة في حرب الإستقلال.
فالقوات الفرنسية بقيادة الكونت روشامبو والأسطول الفرنسي الذي فرض حصاراً بحرياً على القوات البريطانية، وفرا الظروف اللازمة لنجاح الجيش الأمريكي بقيادة جورج واشنطن في إجبار الجنرال البريطاني كورنواليس على الإستسلام.
وبحسب رؤية الكاتب، فإن هذه المعركة شكلت الدليل العملي على أن الإستقلال الأمريكي كان نتاج شراكة عسكرية أمريكية فرنسية أكثر من كونه إنتصاراً أمريكياً خالصاً.

روسيا: دعم غير مباشر ولكن مؤثر

إذا كانت فرنسا قد ساعدت الولايات المتحدة بالسلاح والمال والجنود، فإن سامسونوف يرى أن روسيا القيصرية لعبت دوراً مختلفاً لكنه لا يقل أهمية.
ففي أواخر سبعينيات القرن الثامن عشر طلبت بريطانيا من الإمبراطورة كاترين الثانية إرسال قوات روسية للمساعدة في قمع التمرد الأمريكي، إلا أنها رفضت ذلك رغم العلاقات التقليدية بين البلدين.
ويعتبر الكاتب أن هذا الرفض حرم بريطانيا من موارد عسكرية كانت قد تساعدها في حسم الحرب.
لكن الأهم من ذلك، وفقاً للمقال، كان إعلان مبدأ "الحياد المسلح" الذي أصدرته كاترين الثانية عام 1780. فقد دافع هذا المبدأ عن حرية التجارة البحرية للدول المحايدة في مواجهة الإجراءات البريطانية، وشجع عدداً من الدول الأوروبية على الوقوف ضد الإحتكار البحري البريطاني.
ويرى سامسونوف أن هذا الموقف الروسي فرض قيوداً على القدرة البريطانية في البحار وأسهم بصورة غير مباشرة في تخفيف الضغوط المفروضة على الولايات المتحدة وحلفائها.

ما أهمية "الحياد المسلح" الذي إبتدعته روسيا

«الحياد المسلح» الذي أعلنته الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية عام 1780 خلال حرب الإستقلال الأمريكية كان سياسةً تهدف إلى حماية حرية الملاحة والتجارة للدول المحايدة في مواجهة محاولات بريطانيا تفتيش السفن المحايدة ومصادرة شحناتها المتجهة إلى أعداء بريطانيا.

أهميته أنه:
▪️جمع روسيا وعدداً من الدول الأوروبية في إعلان جماعي لحقوق المحايدين.
▪️رفض مبدأ أن الحرب تتيح للدولة المتحاربة إعتراض التجارة المحايدة بلا قيود.
▪️أنشأ عملياً ردعاً دبلوماسياً وبحرياً ضد بريطانيا، من دون دخول روسيا الحرب إلى جانب الثوار الأمريكيين.
أصبح الإعلان لاحقاً أحد الجذور التاريخية لمبدأ حرية الملاحة وحقوق الدول المحايدة في زمن الحرب.
بإختصار: لم يكن «حياداً سلبياً»، بل حياداً مدعوماً بالقوة والإستعداد لحماية المصالح المحايدة؛ ولذلك سُمّي «الحياد المسلح».

الولايات المتحدة كأداة لإضعاف بريطانيا

الإستنتاج المركزي الذي يقدمه الكاتب يتمثل في أن فرنسا وروسيا لم تدعما الأمريكيين حباً في الثورة أو رغبة في نشر قيم الحرية، بل إنطلاقًا من حسابات المصلحة الوطنية.
ففرنسا أرادت الثأر من هزائمها السابقة وإستعادة مكانتها الدولية، بينما رأت روسيا في إضعاف بريطانيا خطوة تخدم توازن القوى الأوروبي وتمنحها هامشاً أوسع لتحقيق أهدافها الإستراتيجية الخاصة.
ومن هذا المنظور تصبح الثورة الأمريكية جزءاً من صراع دولي أوسع بين القوى الكبرى، لا مجرد حركة تحرر وطنية داخل أمريكا الشمالية.

من "الابن المدلل" إلى الخصم الإستراتيجي

يختتم سامسونوف مقاله بطرح ذي طابع سياسي معاصر، إذ يعتبر أن فرنسا وروسيا أسهمتا في إنشاء دولة تحولت لاحقاً إلى قوة عالمية منافسة، بل وإلى خصم إستراتيجي لموسكو.
ويذهب الكاتب إلى أن الولايات المتحدة، التي إستفادت في نشأتها من الدعم الأوروبي والروسي، أصبحت لاحقاً قائدة للمنظومة الغربية التي دخلت في صراعات طويلة مع روسيا القيصرية ثم السوفياتية وأخيراً روسيا المعاصرة.
غير أن هذا الجزء من المقال يعكس بصورة واضحة رؤية المؤلف السياسية الخاصة أكثر مما يعكس إجماعاً تاريخياً بين الباحثين، إذ تبقى طبيعة العلاقات الروسية الأمريكية عبر القرون موضوعاً معقداً ومثار جدل واسع بين المؤرخين.

خلاصة

تقدم قراءة ألكسندر سامسونوف تفسيراً جيوسياسياً لولادة الولايات المتحدة، يقوم على فكرة أن الثورة الأمريكية لم تنتصر بقوتها الذاتية وحدها، بل بفضل تلاقي مصالح قوى كبرى سعت إلى إضعاف بريطانيا. ففي حين وفرت فرنسا المال والسلاح والجنود والأسطول البحري، ساهمت روسيا عبر رفضها دعم لندن وتبنيها سياسة الحياد المسلح في خلق بيئة دولية أكثر ملاءمة لنجاح المشروع الأمريكي.
وبغض النظر عن بعض الإستنتاجات السياسية التي يطرحها الكاتب بشأن العلاقات الروسية الأمريكية اللاحقة، فإن المقال يسلط الضوء على حقيقة تاريخية مهمة مفادها أن إستقلال الولايات المتحدة كان حدثاً دولياً بإمتياز، وأن ولادة الدولة الأمريكية إرتبطت منذ البداية بصراعات التوازن الدولي بين القوى الكبرى أكثر مما إرتبط بصراع محلي بين المستعمرات والتاج البريطاني فقط.
*****