نمطيات كاذبه

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 19

نمطية كاذبة

1/ "حزب الذاكرة"
أسس المعتقلون السابقون حزباً لحماية تاريخ السجون،كان أول قرار لهم منع أي عضو من رواية تجربته بطريقة تختلف عن الرواية الرسمية،بعد سنوات:
- ظهر معتقل جديد وقال: في سجني كان السجناء يتشاجرون أكثر مما يتشاجرون مع السجان،طُرد من الحزب.
-ظهر آخر وقال:بعضنا كان يخاف من رفاقه أكثر من خوفه من المحقق.
طُرد أيضاً.
-ثم ظهر ثالث وقال: كنت أحياناً أتمنى أن يعذبوني حتى أتوقف عن الخوف من أن يكتشفوا أنني جبان.
أصدر الحزب بياناً:"هذه الروايات تخدم السجان"،بعد أسبوع وضعوا صور المعتقلين المؤسسين على جدار السجن القديم،لم يلاحظ أحد أن الصور غطت أسماء المعتقلين الذين طردوهم.

٢/ السجين الذي لم يكن مناضلاً

اعتُقل الرجل خطأً.
-لم يكن عضواً في حزب.
-لم يوزع منشورات.
-لم يشارك في مظاهرة.
-كان قد تشاجر مع رجل نافذ.
بعد خروجه كتب مذكراته،رفضها الجميع،قالوا: هذه ليست تجربة سجين سياسي.
سأل: لماذا؟
قالوا: لا توجد قضية.
— لكنني سُجنت.
— السجن وحده لا يكفي.
بعد ثلاثين عاماً أُعيد الاعتراف به سياسياً،وُضعت صورته في متحف المعتقلين،كان تحت الصورة شرح طويل عن "نضاله"،لم يعرف الرجل ماذا يفعل.
كان للمرة الأولى في حياته مسجوناً بسبب قضية لم يؤمن بها.

٣/ الاعتراف
كتب السجين السابق:اعترفت.
توقف المحرر.
— لا يمكن.
— لماذا؟
— ماذا اعترفت؟
— كل شيء.
— لكنك لم تفعل شيئاً.
— أعرف.
— إذن لا تكتب أنك اعترفت.
— لكنني اعترفت كذباً.
قال المحرر: هذا يضعف صورة المناضل.
— كنت أريد أن يتوقف التعذيب.
— يجب أن تكون أقوى.
مزق الكاتب الصفحة،بعد سنوات، مات ، نُشرت مذكراته بعد وفاته،لم تظهر فيها كلمة "اعترفت"،لكنها ظهرت في دفتر المحقق.
٤/"القيادة"
في السجن كان هناك حزب،للحزب قيادة،وللقيادة تعليمات،وللتعليمات تفسير صحيح،وللتفسير لجنة،وللجنة سجن أصغر داخل السجن،كان المعتقلون يهربون من الزنازين إلى اجتماعات الحزب،بعد الإفراج عنهم، أسسوا جمعية لحقوق المعتقلين،انتُخبت القيادة نفسها.
وحين اعترض أحدهم قالوا: لا يجوز تشويه وحدة المعتقلين.
كان الرجل قد أمضى سبع سنوات في مقاومة السجان،احتاج عشرين سنة أخرى كي يكتشف أن بعض الزنازين لا تحتاج إلى قضبان.


٥ /المتحف
أُنشئ متحف للسجون السياسية.
-زنزانة أصلية.
-سلاسل أصلية.
-كرسي التحقيق.
-صور المعتقلين.
-رسائل المعتقلين.
-حتى كوب الشاي الذي كان يشرب منه أحدهم.
في نهاية الجولة وقف المرشد أمام لوحة كبيرة:"هنا انتهى القمع".
ضحك أحد الزوار.
قال المرشد: ما المضحك؟
قال: أعرف بعض الأشخاص في الصور.
— وماذا عنهم؟
— صاروا وزراء.
نظر المرشد إلى اللوح، ثم إلى الرجل وقال: هذه المعلومة غير موجودة في المسار السياحي.

٦/" المناضل القديم"
بعد الإفراج عنه، صار الكاتب ضيفاً دائماً في المؤتمرات،كان يتحدث عن الحرية،في كل مرة ينتهي التصفيق.
في إحدى الأمسيات وقف شاب وسأله:هل كنت تؤمن بالحرية لكل الناس؟
قال: طبعاً.
— حتى خصومك؟
صمت.
— حتى الذين اختلفوا مع حزبك؟
صمت أطول.
— حتى الذين كانوا مع السلطة؟
أغلق الكاتب الميكروفون،في اليوم التالي كتب النقاد:"سؤال استفزازي حاول تشويه تاريخ المناضل"،لم يكتب أحد السؤال نفسه.

٧/ «السجن الناجح»
قال الناشر: نريد كتاباً عن انتصار الإنسان على السجن.
قال الكاتب: لكنني لم أنتصر.
— خرجت.
— خرجت فقط.
— هذا انتصار.
— بعد الخروج أصبت بالأرق.
— لا يهم.
— خسرت زواجي.
— لا يهم.
— لم أعد أثق بأحد.
— لا يهم.
— صرت أشعر أنني أراقب الآخرين كما كانوا يراقبونني.
— لا يهم.
سكت الناشر،ثم قال: هل لديك نهاية سعيدة؟
أجاب: لدي نهاية حقيقية.
قال الناشر: للأسف، نحن نبحث عن شيء آخر.

٨/ "المنشق"
كان السجين السابق عضواً في الحركة.
بعد خروجه كتب عن:
- التعذيب وعن خلافاته مع رفاقه،قالوا إنه يخون تاريخ الحركة.
-كتب عن أخطاء الحركة داخل السجن،قالوا إنه يخدم السجان
-كتب عن السجان،قالوا إنه يبالغ.
-كتب عن نفسه،قالوا إنه مغرور.
-أخيراً كتب رواية عن رجل لا يعرف لمن ينتمي.
نجحت الرواية لكن الجميع ظن أن الرجل شخصية رمزية،وحده الكاتب كان يعرف أنها أول مرة يكتب فيها عن نفسه دون خوف.

٩/ "الواقع"
سألت الصحفية السجين السابق: ماذا تعلمت في السجن؟
قال: أن الواقع أسوأ من الأدب.
— كيف؟
— في الأدب يوجد سبب لكل شيء.
— وفي الواقع؟
— أحياناً يعتقلونك لأن الشرطي كان غاضباً.
— هذا غير درامي.
— أعرف.
— لذلك نحتاج إلى رواية.
نظر إليها وقال : ولهذا أخاف من الروايات.

١٠/ "المحرر السياسي"
أعاد المحرر المخطوطة إلى الكاتب.
— جيدة، لكن عندي ملاحظات.
— ما هي؟
— لا تذكر أن رفيقك خانك.
— لكنه خانني.
— احذفها.
— لماذا؟
— يضر بصورة الحركة.
— ولا تذكر أنني خفت.
— مفهوم.
— ولا أنني تمنيت الخروج وترك الجميع.
— بالتأكيد.
— ولا أنني بعد خروجي اختلفت معهم.
— ممتاز.
— ماذا يبقى؟
فتح المحرر الصفحة الأخيرة.
— يبقى ما نستطيع نشره.
نظر الكاتب إلى المخطوطة.
كان السجن قد خرج منها.
لكن الحزب بقي.