|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2026 / 8 / 19
نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
الفصل السادس والأخير لـرواية «نلتقي في أغسطس»، حيث تصل «آنا ماغدالينا باخ» إلى ذروة الاكتشاف بعد أن تقرر نبش قبر والدتها لنقل رفاتها، فتصطدم بالحقيقة التي تُفسر كل شيء:
«في تلك الزيارة الأخيرة أخذت معها العمال والأدوات لاستخراج عظام والدتها كما خططت وأرادت هي بنفسها.
وعندما انزاح الغطاء الحجري، وظهر الصندوق الخشبي المتآكل بفعل الرطوبة والملح، انبعثت رائحة الياسمين القديمة ذاتها التي كانت تعرفها في طفولتها.
لكن المفاجأة التي جمدت الدم في عروقها لم تكن في العظام المتبقية، بل في الرسالة والأوراق الصغيرة المحفوظة في زجاجة محكمة الإغلاق تحت رأس والدتها.
وقفت هناك، والشمس الحارقة تضرب ظهرها، تقرأ الأسطر المكتوبة بخط يد والدتها المعوج. في تلك اللحظة بالذات، انحل اللغز كاملاً: لم تكن أمها قد اختارت تلك الجزيرة النائية لتُدفن فيها رغبةً في الهدوء أو زلّةً من زلات العزلة، بل لأنها كانت تأتي إلى هذه الجزيرة بالذات كل شهر أغسطس لتقابل رجل حياتها السري... الرجل الذي لم يكن والدها.
نظرت "آنا ماغدالينا" إلى البحر الممتد وراء المقبرة، وإلى العبّارة التي تهتز على الرصيف، وفهمت أخيراً أن حريتها وطقسها السنوي وشغفها الغريب لم يكن سوى خيطٍ غير مرئي ورثته عن والدتها، وأن خطاياها وتوقها لم تكن سوى استمرار لحياةٍ أخرى كانت تُعاش في الخفاء فوق التراب ذاته.
حملت الصندوق الصغير في حضنها كما يحمل المرء طفلاً صغيراً، وصعدت العبّارة للعودة إلى ديارها. لم تكن تشعر بالذنب بعد الآن، بل بسكينة غريبة؛ لقد انتهت الرحلة، ولن تحتاج للعودة إلى الجزيرة في أغسطس القادم.»
................
يختم ماركيز الرواية بهذه المواجهة الحاسمة بين آنا وماضي والدتها، حيث تنتهي رحلتها الدورية بعد أن تفك شفرة الوراثة النفسية والقدر الذي تشاركته مع أمها.
فسّر ماركيز الانشطار النفسي للبطلة بين الواجب والشغف حين أدركت أن ذلك التناقض ليس عيباً فردياً في بنيتها الأخلاقية، بل هو امتداد لطبيعة بشرية ورثتها من أمها.
لكن كثيراً من النقاد انتقدوا هذا الحل بنهاية الرواية وهو (السلوك الوراثي). معظم النقاد الأدبيين الذين راجعوا الرواية لم يركزوا على نقد (الشفرة النفسية) بأسماء أطباء نفسيين حقيقيين، بل تناولوها نقدياً بوصفها ضعفاً في البناء السردي والنهاية الأقرب للمصادفة.
وقد انقسمت القراءات النقدية حول هذه الجزئية تحديداً إلى تيارين:
. النقاد الإسبان واللاتينيون (نقد "النهاية المتعجلة والمصادفة")
خافيير أغريدا (Javier Ágreda) والنقاد في مجلة Baquiana الأدبية: أشاروا إلى أن نقطة التحول الختامية القائمة على اكتشاف سر الأم في المقبرة جاءت في شكل "نهاية متعجلة"؛ إذ رأوا أن اختزال تحول «آنا ماغدالينا» في مجرد مصادفة اكتشاف سر والدتها يمثل حلاً سريعاً يفتقر إلى النمو السيكولوجي المتدرج للشخصية.
الانتقاد السردي: رأى هذا التيار أن حل العقدة النفسية عبر "الوراثة السلوكية" أو "السر العائلي" يعطي انطباعاً بأن النص ما زال مجرد مسودة أو خطاطة أولية غير مكتملة لم يتاح لـ"ماركيز" الوقت الكافي ليُشكل فيها أزمة البطلة بأسلوب أكثر عمقاً وتماسكاً.
. النقد النفسي والتحليلي (قراءة التكرار السلوكي)
القراءات النفسية للرواية: توقفت عند ارتهان التغير النفسي للبطلة بـ "الحتمية السلوكية"؛ إذ اعتبر النقاد التحليليون أن تفسير صراع «آنا» الداخلي بين الواجب والشغف كأنه مجرد "تكرار أوتوماتيكي" لسيرة الأم يحرم البطلة من حريتها وإرادتها المستقلة، ويحول تجربتها الذاتية إلى مجرد صدى لمصير عائلي مقدر.
رأيي وتحليلي الخاص:
أرى أن البطلة لم تتوقف عن السفر للجزيرة لأنها أصبحت تشبه أمها، بل لأنها أدركت أخيراً أن تناقضها بين الواجب والشغف هو طبيعة بشرية أصيلة وليست زلة أخلاقية فردية. ونبش القبر ونقل الرفات لم يكن سوى فعل رمزي لإغلاق القوس النفسي، واستعادة الذات، وإنهاء الهروب السنوي بعدما تحررت الروح من القلق.
ومع أن السنن الوراثية قد تلعب دوراً محورياً في بعض السلوكيات، إلا أنها لا تمر كأفعال ميكانيكية؛ إنها تهيئ أرضية استعداد لا غير. فماركيز كان همه إنتاج فن لا نظريات سيكولوجية، وأرى نهاية الرواية مقنعة تماماً وليست عجزاً أسلوبياً.
الصياد
آب
٢٠٢٦
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |