خطورة المجاز في الشعر )

كاظم حسن سعيد
2026 / 8 / 18

( خطورة المجاز في الشعر )

​مع شعر أبي تمام بلغ المجاز أقصى درجاته... لكن الشعر بعده بدأ يتخلى عن هذا النهج شيئًا فشيئًا... وعند انبثاق شعر المهجر عاد المجاز ليفرض هيمنته على القصيدة. ثم مرّ بتراجعٍ عن المجاز في شعر الزهاوي والرصافي.. بعدها عاد –المجاز– للظهور بقوة في الشعر الحديث وتحديدًا الشعر الحر.. لكن في العشرين سنة الماضية من القرن الواحد والعشرين، شهدت القصيدة استغراقًا بالمجاز بشكل فوضوي؛ ربما لتغطية الضعف الفني وتلميعه.

​وأرى أن ذلك بسبب الانسلاخ عن التراث وقلة الاهتمام به؛ إن الغرق في المجاز العشوائي اليوم مردّه إلى الانقطاع عن جذر اللفظة وتاريخها، إذ إن المجاز الحقيقي لا ينشأ من الفراغ، بل ينبت من فهم دقيق للتطور الدلالي للمفردة. ولكي نوضح كيف تتخلق الصورة وتتحول الدلالات عبر التاريخ دون إسفاف أو فوضى، نأخذ مفردة (الشارع) كنموذج تطبيقي لرحلة اللفظ من النص الديني إلى الفضاء العمراني:

​تأثيل مفردة الشارع: من النص الديني إلى الفضاء العمراني

​تُعَدّ كلمة "الشارع" في العربية نموذجًا للتحوّل الدلالي عبر التاريخ، حيث انتقلت من المجال الفقهي/الشرعي إلى المجال الجغرافي/العمراني، ويجمعهما الأصل اللغوي الأول في فكرة: الوضوح والسلوك واستقامة الطريق.

𔁯. الأصل اللغوي والجذر (ش ر ع)

في المعاجم العربية القديمة (لسان العرب ومقاييس اللغة):


​الشَّرْعُ والشَّريعةُ: الظهور، والوضوح، والنهج المفتوح. يُقال: شرعَ فلانٌ الطريقَ أي أظهره ووضّحه.

​المَشْرَعة: مورِد الشاربة ومخرج الماء من النهر، حيث يسلك الناس طريقًا بيّنًا ومفتوحًا للوصول إلى الماء.

​ومنه قيل للدستور السماوي "شريعة"؛ لأنه الطريق اللاحب والواضح الذي يوصل الإنسان إلى صلاح دينه ودنياه.



𔁰. "الشارع" في الاستعمال الفقهي والأصولي

عند الأصوليين والفقهاء، يُقصد بـ "الشارع" (اسم فاعل من شَرَعَ):


​المُشَرِّع: وهو الله سبحانه وتعالى بالذات، ويُطلق مجازًا على الرسول ﷺ لأنه المبلّغ والمبيّن للأحكام (يُقال: قصدُ الشارع أو حُكْمُ الشارع).

​المعنى في هذا السياق: هو مُسِنُّ القوانين ومُنشِئ الطرق والسنن الهادية.



𔁱. كيف تحوّلت الكلمة إلى معنى "الدرب" أو "الطريق"؟

مرّ التحوّل بتدرّج دلالي وعمراني عبر مراحل:


​المرحلة الأولى: الصفة والوصف (طريقٌ شارعٌ)
كان يُقال في اللسان القديم: "طريقٌ شارعٌ"؛ والمقصود بالشارع هنا: الطريق النافذ، الواضح، والمفتوح الذي يسلكه عامة الناس ويتصل بالسبيل الأعظم، بخلاف الطرق المسدودة أو الأزقة الضيقة.


​المرحلة الثانية: انتقال الصفة إلى اسم علم/اسم جامد
مع اتساع المدن الإسلامية وتطور العمران، صار الناس يميّزون بين:

​الدرب/الزقاق: الطريق الخاص أو الضيق غير النافذ.

​الشارع: الطريق العام المفتوح النافذ الذي "تَشْرَعُ" (تَطُلُّ) عليه أبواب الدور والمحالّ.
حُذِفت كلمة "طريق" لكثرة الاستعمال، وأُقيمت الصفة (الشارع) مقام الموصوف (الطريق الشارع)، وهو أسلوب شائك في العربية (مثل قولنا: "السيّارة" أصلها "القافلة السيّارة").





​المرحلة الثالثة: التخطيط الحضري الحديث
مع بداية التنظيم المدني الحديث وتأثير المصطلحات الغربية (مثل Street أو Boulevard)، اعتُمِدَت كلمة "الشارع" مصطلحًا رسميًا لكل مسار ممهد داخل المدينة تُشقّه السلطات للعامة.



​خلاصة التطور الدلالي


​الشارع (الفقهي): يُقصد به المشرِّع واضع الأحكام والسنن (الله سبحانه أو الرسول ﷺ). وجه الشبه والعلاقة هو وضع نهجٍ بيّنٍ وواضحٍ يلتزم به الناس في سلوكهم الديني والأخلاقي.

​الشارع (العمراني): يُقصد به الدرب العام، والطريق النافذ المفتوح للمشاة والمركبات. وجه الشبه والعلاقة هو أنه مسارٌ ممهدٌ وواضحٌ يسلكه الناس في حركتهم العمرانية اليومية.



​فالرابط الجامع بين المعنيين هو البيان والوضوح والسلوك؛ فكما أن "الشارع الفقهي" يشرع للناس طريق الدين والهداية، فإن "الشارع الجغرافي" هو السبيل المفتوح الذي يشرع فيه السابلون.