|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 18
١/الأرشيف
اكتشف باحث شاب أن نصف شهادات السجن المتداولة في الكتب تتكرر بالحكايات نفسها:
-الكرسي.
-المصباح.
-الضرب.
-التحقيق.
-النافذة.
-الاسم.
كتب بحثاً عن ذلك،رفضته اللجنة،قالت: أنت تسيء إلى أدب المقاومة،رد: أنا أقول إن البشر أكثر تعقيداً من هذه القوالب.
قال رئيس اللجنة: وهذا بالضبط ما يجعل بحثك خطيراً.
٢/الكاتب الذي خرج متأخراً
بعد الإفراج عنه، كتب الرجل رواية عن المعتقل،كانت صادقة إلى حد مؤلم،رفضها الناشر،و قال: لا يوجد أمل.
أعاد كتابتها.
رفضها ناشر آخر:
— لا يوجد أمل.
أضاف أملاً.
رفضها ثالث:
— لا توجد بطولة.
أضاف بطولة.
بعد خمس سنوات أصبحت الرواية الأكثر مبيعاً،قرأها الرجل للمرة الأولى،لم يجد نفسه فيها،لكنه وجد السوق.
٣ /الورشة
في ورشة كتابة بعنوان "كيف تكتب التعذيب؟"، وقف المدرّب أمام سبورة وكتب:الحواس الخمس.
-قال: يجب أن يشعر القارئ بالألم.
رفع رجل يده.
— ماذا لو كان الألم الحقيقي لا يشبه الأدب؟
ابتسم المدرّب.
— نعيد صياغته.
سأل الرجل: ومن يعيد صياغة الحقيقة؟
سكت المدرّب.
ثم كتب على السبورة:الدرس التالي: كيف تصنع الصمت.
٤/الاعتذار
نشرت دار كبيرة مختارات بعنوان "أصوات من خلف القضبان"،اكتشف أحد الكتاب أن اسمه أُدرج دون إذنه،اتصل بالدار.
قالوا: نعتذر.
— احذفوا اسمي.
— بالطبع.
بعد أسبوع صدرت الطبعة الثانية،اختفى اسمه من الفهرس.
لكنه بقي في الغلاف الخلفي:"شهادات حقيقية لكتّاب السجون".
٥/ ابن السجين
كتب ابن معتقل سابق رواية عن أبيه،لم يكن أبوه يريد الحديث عن سجنه.
قال:عشت بعده، لا أريد أن أموت فيه مرة أخرى.
كتب الابن الرواية رغم ذلك،نجحت،في الحفل وقف الابن يتحدث عن :ذاكرة الأب"،كان الأب في البيت يشاهد التلفاز.
حين سئل عن الرواية قال: جميلة.
ثم أطفأ التلفاز.
لم يكن يريد أن يشرح لأحد أن بعض الذكريات لا تصبح ملكاً للعائلة لمجرد أنها حدثت فيها.
٦/ دليل الكتابة
صدر كتاب بعنوان:"كيف تكتب رواية سجن ناجحة في عشرة أيام":
-الفصل الأول: اختر ضحية.
-الثاني: اختر سجّاناً.
-الثالث: أضف غرفة مظلمة.
-الرابع: اجعل البطل يرفض الانكسار.
-الخامس: امنحه جرحاً.
-السادس: امنحه ذاكرة.
-السابع: اقتله أو أطلقه.
في الصفحة الأخيرة نصيحة للكاتب:"تجنب التعقيد؛ القارئ يحب أن يعرف من هو الشرير"،كان الكتاب الأكثر مبيعاً بين كتّاب أدب السجون.
٧/بعد ثلاثين عاماً
اجتمع خمسة كتّاب في ندوة عن مستقبل أدب السجون.
-قال الأول: يجب ألا ننسى.
-قال الثاني: يجب أن نتذكر.
-قال الثالث: يجب أن نوثق.
-قال الرابع: يجب أن نشهد.
-أما الخامس، وكان قد أمضى في السجن أكثر مما أمضاه الأربعة مجتمعين، فقال:ومتى سنبدأ الكتابة عن الذين خرجوا ولم يعودوا يعرفون كيف يعيشون؟
ساد الصمت،ثم انتهت الندوة،لأن البرنامج لم يتضمن هذه الفقرة.
٨/السجّان
كتب كاتب رواية كاملة عن سجّان شرير،كان وحشاً،يعذب، يكذب، يكره، ويستمتع بالخوف.بعد صدور الرواية، سأله صحفي:هل قابلت هذا الرجل؟
قال: لا.
— إذن من أين أتيت به؟
أجاب: احتجت إلى شرير واضح.
في تلك الليلة قرأ أحد السجناء السابقين الرواية،قال: مشكلته أنه شرير أكثر مما ينبغي.
٩/ آخر شهادة
قبل موته، جمع الكاتب أوراقه كلها،مئات الصفحات عن السجن،شهادات، أسماء، تواريخ، تعذيب، موت، نجاة.
وضعها في صندوق،ثم كتب على الغطاء:"لا تقرأوا هذا إذا كنتم تبحثون عن بطولة".بعد موته فتح الورثة الصندوق،لم يجدوا شيئاً،كان الكاتب قد أحرق المخطوط كله،وبقيت ورقة واحدة،كتب عليها:"كنت أريد أن أكتب عن الإنسان، لكن السجن كان دائماً أسرع مني".
١٠/كتاب يبتلع السجن
بعد أن صار الأدب سجناً
في آخر مؤتمر، وقف سجين سابق وقال:
— مشكلتي ليست أنكم كتبتم عنا.
صمتت القاعة.
— مشكلتي أنكم كتبتم عنا حتى لم يعد مسموحاً لنا أن نكون شيئاً آخر.
لم يصفق أحد.
كان الكلام ثقيلاً على برنامج المؤتمر.
بعد دقائق صعد المنظم إلى المنصة وقال: ننتقل الآن إلى الجلسة التالية:"هل يستطيع أدب السجون أن يتحرر من السجن"؟، صفق الجمهور طويلاً.
أما الرجل فخرج، كان يريد، للمرة الأولى، ألا يكون لديه ما يقوله.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |