|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عطا درغام
2026 / 8 / 17
"حين يتحدث الشاعر سعد الشرقاوي، فإنك لا تسمع مجرد كلمات موزونة، بل تستشعر رائحة الأرض وصوت السواقي وأوجاع الفلاحين التي سكنت قصائده. هو شاعر التوتة الذي جعل من شعره مرآةً لريفٍ يتغير، منتقداً بصوتٍ جهور غياب اللمة وانحسار القيم أمام زحف المادة والتكنولوجيا. وبقدر انحيازه للجمال، يمتلك الشرقاوي شجاعة المواجهة؛ فيعرّي الفساد الاستثماري، وينتصر للأجير الكادح، مؤمناً أن الكلمة أمانة ومسؤولية. في هذا الحوار، نبحر مع الشاعر القدير في رحلة بين أزمنة الزراعة، ودهاليز السياسة، وفلسفة العامية التي يراها لغة أهله ومجتمعه الأقرب للقلب.."
المحور الأول: الحياة اليومية والتحولات في الريف المصري
س: كيف وظفتَ في قصيدة "فلاح من زمن راح" التناقض بين أدوات الزراعة القديمة والحديثة لإبراز الفجوة بين زمنين؟
ج: لا شك أن أدوات الزراعة في الزمن الماضي كانت تحوي أشياء مثل: "النورج"، و"المحراث الخشبي"، ولوازم الساقية كـ "الناف" و"الهودية" و"الشادوف"؛ وربما تختلف المسميات من محافظة إلى أخرى حسب اللهجات المصرية المتعددة بين فلاحي الدولة. ومع التطوير والتقدم في مجال الزراعة، ظهرت آليات حديثة استبدلها المزارعون بالمعدات القديمة، فأمست ماضياً لا يعرفه الكثير من الشباب؛ ولأنها جزء من التاريخ، فكان لابد من نص يلقي الضوء عليها.
س: ما هي أبرز المظاهر السلوكية التي رصدتَ اختفاءها من القرية المصرية ودقت ناقوس الخطر في قصائدك؟
ج: معظم القيم والمبادئ، وشهامة وأصالة أهل الريف، والترابط الأسري، والكثير من طباع الآباء والأجداد.
س: كيف تعاملتَ في شعرك مع تحول القرية من مجتمع إنتاجي يعتمد على الأرض إلى مجتمع استهلاكي؟
ج: كانت الأرض تمثل كل حياة الفلاح وليس شيئاً غيرها؛ فأصبح كل فرد في أسرته يتابع حياته الافتراضية من خلال "التليفون"، فتم حرمانه من النوم طوال الليل، وعدم قدرته على مواصلة العمل في الحقل لساعات طويلة، ومن هنا يكون الاستهلاك أعلى من الإنتاج.
س: إلى أي مدى يعكس حضور "التوتة" في لقبك وشعرك رمزية الصمود والظل والأصالة داخل القرية؟
ج: عاشت "التوتة" عصوراً مصاحبة، وفية ومخلصة للفلاح؛ فكانت رمزاً للصمود والصبر والتحمل، ومن هنا كان اختيار الاسم.
س: كيف ترصد قصائدك أثر غياب "اللمة والجيرة" على العلاقات الإنسانية اليومية في الريف الحالي؟
ج: غاب الترابط وحسن الجوار والمشورة، والمشاركة في الأفراح والأحزان، واستُبدل كل ذلك بأمور تم استيرادها من الغرب عن طريق وسائل التواصل المقصودة والموجهة لهذا الغرض.
المحور الثاني: مواجهة الفساد الاستثماري والاقتصادي
س: ما هي المرجعية الواقعية التي استندتَ إليها في قصيدة "سرقة مشروع" لتجسيد اغتصاب جهود الصغار لصالح الحيتان؟
ج: السرقات المشروعة كأمراض كورونا وخلافه، والكثير من الفيروسات التي اصطنعها "الحيتان" ليجنوا من ورائها امتصاصاً لدم الفقراء.
س: كيف وظفتَ الكوميديا السوداء في قصيدة "لما كنت وزير" لتعرية الوعود البراقة للمسؤولين ومشاريعهم الوهمية؟
ج: على مدار عقود وتعاقب حكومات، وُعدنا بالعدالة الاجتماعية ولم نصل إليها حتى اليوم. القصيدة هي محاولة لاقتراح أحد الحلول؛ فكما تعودنا في قصائد النقد، لا تنتهي قصيدة إلا بالمساعدة في إيجاد الحلول وتلافي السلبية الملقى عليها الضوء.
س: كيف يرى شعرك تأثير الاستثمار العشوائي وزحف المباني الخرسانية على المساحات الخضراء والتربة الزراعية؟
ج: هي مشكلة ليست حديثة، ولم يسبق لها التخطيط، ولم يكن لها في الماضي نظرة مستقبلية، ويتم اليوم معالجتها بقسوة. وكثير من الناس يبني حتى ينتهي من كافة النفقات تحت أعين المختصين، وعند الانتهاء تصدر الإزالة؛ فيا ليتها كانت من أول وهلة.
س: ما هي الرسالة الفلسفية التي تطرحها حول صراع "رأس المال المستورد" ضد "ابن الأرض المخلص" في قصائدك؟
ج: هي ليست ضده لو عادت عليه بالنفع.
س: كيف صوّرتَ في نصوصك تحول المشاريع التنموية في الأقاليم من بوابات خير للشباب إلى مصائد للبيروقراطية؟
ج: بالعكس، أراها نافعة جداً، وكان الشباب في أشد الحاجة إليها، ولكن زيادة التكلفة في بنائها تدفع اضطراراً إلى ذلك.
المحور الثالث: العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات البسيطة
س: كيف نجحت قصيدة "صرخة أجير" في نقل المعاناة النفسية للعامل اليومي قبل معاناته المادية؟
ج: القصيدة مكتوبة في مرحلة زمنية ظهرت فيها بعض الفجوات بين أفراد المجتمع في التعامل، فظهر المالك والأجير.
س: ما هي الأدوات اللغوية التي استخدمتها لكسر الصورة النمطية للفلاح العاجز، وإظهاره في ثوب المدافع عن حقه؟
ج: الفلاح قسمان: قسم مالك للأرض، وقسم أجير وهم الكثرة وتتجاوز نسبتهم السبعين في المئة، وليس لهم ما يستحقون.
س: كيف يتناول شعرك الفجوة الطبقية المتسعة في الأقاليم بين كبار الملاك والعمال الأجراء؟
ج: هل من المعقول أن يتم تسليم الدعم في التقاوي والسماد والوقود لصاحب الحيازة بالبطاقة الزراعية وهو في غنى عنه، ويُحرم منه الأجير ليحصل عليه من السوق السوداء؟ أليس هو الأولى بالرعاية؟
س: ما هو التوصيف الشعري الذي قدمته لـ "لقمة العيش المغمسة بالشقاء" في نصوصك الاجتماعية؟
ج: "عملالي ساهية وسايبة الحبل في شنافي.. وكعوبي رسمت شقوق في الأرض وأنا حافي.. شايل ونافك ألم ولا كانش عمره خفيف.. عامل هناك تجويف بيحز في كتافي".
س: كيف توازن في قصائدك بين تصوير بؤس الفئات الكادحة وبين الحفاظ على كرامتهم وعزة أنفسهم دون استجداء؟
ج: الفلاح بطبيعته يعشق الأرض ويقدسها، فهو أول من يغار على بلده ويقدر قيمة الأرض، ووارث العزة والكرامة من أجداده؛ فهو باني السد، وحافر القناة، وزارع الأرض.
المحور الرابع: الأسلوب الفني والفلسفة الشعرية
س: كيف تطوع مفردات الحقل والزراعة لتصبح صوراً بلاغية مركبة تعبر عن قضايا سياسية واقتصادية معقدة؟
ج: حياتي مرتبطة بالحقل فأنا فلاح، والبيئة لها أكبر الأثر في حياة الشاعر. تحدثت بلسانهم وطرحت مشاكلهم؛ فقد كنت نائباً في المجالس الشعبية المحلية لمدة ثلاثة عشر عاماً، ورئيساً لاتحاد فلاحي مركز "سيدي سالم" لخمسة أعوام، وشاركتهم الهموم والأفراح؛ فكان من الطبيعي أن تكون هذه لغتي في كتابة الشعر.
س: ما هي الفلسفة الإبداعية وراء اختيارك لقصيدة العامية تحديداً دون الفصحى لتمرير قضايا ريفية بحتة؟
ج: لهجة أهلي ومجتمعي جعلتني أرفض اللقاءات التليفزيونية التي تمنع الاستضافة بالجلابية البلدي. ورغم أني أزهري وكان عملي بالأوقاف قبل المعاش، إلا أني ما كتبت نصاً واحداً بالفصحى؛ فالعامية هي لغة القلب والواقع.
س: كيف تبني الإيقاع والموسيقى الداخلية في قصائدك لتتناسب مع ريتم الحياة الريفية الهادئ والجهير في آن واحد؟
ج: الأمر كله بتوفيق من الله، وليس لي فيه يد؛ وأتمنى أن أكون قد قدمت شيئاً في حياتي أجد جزاءه عند الله.
س: ما هو دور "المفارقة الشعرية" في نصوصك لإنتاج الصدمة المعرفية لدى المتلقي عند نهاية القصيدة؟
ج: أرى أن الهدف الحقيقي من النص هو ما يقع في نهايته، وكل ما يسبقه يكون بمثابة مقدمة تمهيدية له.
س: كيف تتجنب المباشرة والخطابية التقريرية عند صياغة قصائد نقدية لاذعة تمس الواقع المعيش؟
ج: كما أن الحاجة هي أم الاختراع، فإن الحرمان هو وسيلة الإبداع؛ فلا يبدع أي شاعر وهو مستريح النفس ويعيش في رغد من العيش.
المحور الخامس: الحراك والنشاط الأدبي في الأقاليم
س: ما هي التحديات الحقيقية التي يواجهها "نادي أدب مطوبس" لتوثيق ونشر إبداعات شعراء العامية في الدلتا؟
ج: نادي أدب "مطوبس" ونادي أدب "سيدي سالم" حديثا العهد، ومن الطبيعي أن تختلف ظروف التوثيق والنشر فيهما، على الرغم من النشاط المكثف والدور الفعال لتلك الأندية في الحركة الثقافية.
س: كيف تسهم مؤتمرات الهيئة العامة لقصور الثقافة الإقليمية في إيصال صوت شاعر القرية إلى الحراك الثقافي في العاصمة؟
ج: نبوغ الشاعر وأعماله المميزة هما ما يفرضان وجوده وصوته على كافة الساحات الثقافية.
س: ما هو تقييمك لمدى استجابة الجمهور والنخبة للشعر ذي الصبغة الريفية في ظل سيادة ثقافة المدينة والإنترنت؟
ج: كانت هذه المشكلة تشغلني في بداياتي، لكني اكتشفت فيما بعد أن رواد الأدب يعشقون اللغة العامية واللهجات الريفية الأصيلة.
س: كيف تساهم أمسياتك الشعرية الميدانية في خلق "وعي جمعي" لدى البسطاء بقضاياهم وحقوقهم الاجتماعية؟
ج: حين يشعر المتلقي أن النص يتحدث عنه شخصياً وأن الكلمات تلامس حياته اليومية، فإنه يحفظ القصيدة ويطلب سماعها تحديداً في معظم الأمسيات.
س: كيف يمكن للمؤسسات الثقافية الرسمية استغلال أدب الأقاليم لتوثيق التحولات التاريخية والاجتماعية للريف المصري؟
ج: أرى أن المؤسسات الثقافية تسير مؤخراً على هذا الدرب، وتولي أندية الأقاليم رعاية واهتماماً غير مسبوقين.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |