العراق ليس غرفة عمليات لأحد.

حامد الضبياني
2026 / 8 / 16

العراق لا يحتاج إلى من يذكّره بمن يكون؛ فهذا البلد الذي علّم الإنسان أول أبجدية، ووضع للمدينة قانونها، وشقّ من الطين طريقاً إلى الحضارة، لا يليق به أن يتحول إلى ممرّ للرسائل الإقليمية، ولا إلى غرفة انتظار تتلقى فيها العواصم أوامرها من خارج الحدود. وحين يأتي مسؤول أو قائد أجنبي برسالة إلى فصيل عراقي مفادها أن السلاح يجب أن يبقى خارج إرادة الدولة، فإن السؤال لا يعود عن السلاح وحده، بل عن معنى السيادة نفسها: من يقرر؟ بغداد أم العواصم الأخرى؟ ومن يرسم حدود القرار؟ مؤسسات الدولة أم غرف النفوذ؟..المفارقة الأكثر إيلاماً أن بعض الذين يرفعون شعار الدفاع عن العراق يتصرفون وكأن العراق يحتاج إلى وصاية، وكأن شعباً بهذا العمق التاريخي عاجز عن إدارة بيته. يريدون للعراقي أن يصدق أن السيادة شعار يُرفع في المناسبات، بينما القرار يمكن أن يسافر بجواز أجنبي ويعود إلى بغداد محمّلاً بالتوجيهات. وهذه كوميديا سياسية سوداء؛ دولة لها حكومة وبرلمان وجيش وأجهزة أمنية، ثم يظهر من يقول لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: اتركي لنا ما لا ينبغي أن يكون إلا بيدك!
السلاح الذي يحمي الدولة يصبح قوة وطنية عندما يكون تحت قرارها، أما السلاح الذي يستطيع أن يقول للدولة نعم أو لا وفق حسابات خارجية، فإنه يتحول من أداة دفاع إلى سؤال دائم عن صاحب السيادة. فالدولة لا تكون دولة كاملة إذا كان على مكتبها قرار، وعلى الطاولة المقابلة قرار آخر، وفي الشارع بندقية ثالثة تنتظر الإشارة.ومن حق العراق أن يقيم علاقات محترمة مع إيران، كما من حقه أن يقيم علاقات محترمة مع تركيا والعرب وأميركا وأوروبا وكل العالم، فالدبلوماسية ليست عداوة، والاستقلال ليس عزلة، وحسن الجوار لا يعني أن يتحول الجار إلى صاحب مفتاح البيت. العراق يستطيع أن يحب جيرانه جميعاً، لكنه لا يستطيع أن يمنح أحداً حق الجلوس في غرفة القرار العراقي نيابة عن العراقيين.والأغرب أن بعض الأصوات التي ترفع راية الانتماء المذهبي تتعامل مع المذهب وكأنه جواز سفر سياسي، فإذا انتقدت تدخلاً خارجياً قالوا لك: أنت ضد طائفتك! وما أضيق هذا المنطق؛ فالطائفة ليست سفارة لدولة، والمذهب ليس وزارة خارجية، والعراقي الشيعي أو السني أو المسيحي أو الإيزيدي أو الصابئي أو أي عراقي آخر لا يحتاج إلى شهادة ولاء من عاصمة أجنبية كي يثبت عراقيته. العراق أكبر من أن يُختصر في طائفة، وأكرم من أن تتحول مذاهبه إلى جسور عبور للنفوذ.لقد كان العراقيون، على اختلاف مشاربهم، في مقدمة الرافضين للاحتلال والتبعية، ووقفوا في ثوراتهم وانتفاضاتهم وحركاتهم الوطنية دفاعاً عن كرامة البلاد. وفي الناصرية والبصرة وبغداد وسائر المدن العراقية ظل سؤال الكرامة حاضراً، حتى عندما حاولت السياسة أن تضع فوقه طبقات من الشعارات. ومن الظلم أن يُختطف تاريخ العراقيين الشرفاء لمصلحة مشروع سياسي، أو أن تُستخدم أسماء المذهب لتبرير ما لا يقبله الوطن.
أما أولئك الذين يظنون أن العراق يصبح أقوى كلما كثرت البنادق خارج مؤسسات الدولة، فعليهم أن يراجعوا تعريف القوة.القوة ليست في عدد الفصائل، ولا في ارتفاع صوت السلاح، ولا في كثرة الصور على التقاطعات؛ القوة أن يكون في العراق قرار واحد عندما يتعلق الأمر بالأمن والحرب والسلم والسيادة. القوة أن يستطيع رئيس الوزراء أن يقول: هذا قرار الدولة، فيصمت الجميع احتراماً للدستور، لا خوفاً من بندقية.وهنا تبدأ السخرية المريرة: لماذا لا نرى في شوارع طهران مظاهر مشابهة لما نراه في شوارع بغداد؟ لماذا لا يذهب عراقي ليضع رايته في قلب العاصمة الإيرانية ثم يعلن أن هذه المنطقة من نفوذه؟ لماذا لا نرى مسؤولاً عراقياً يوزع التعليمات على القيادات العسكرية الإيرانية؟ السؤال بسيط، والجواب أكثر بساطة: لأن الدول تعرف حدودها، ومن يعرف حدود وطنه لا يسمح للآخرين بأن يتعاملوا معه كحديقة خلفية.المطلوب من العراق ليس قطع العلاقة مع إيران، ولا تحويل الجغرافيا إلى خصومة، ولا صناعة عداوة جديدة في المنطقة؛ المطلوب علاقة متوازنة تحفظ مصالح الطرفين وتحترم السيادة. الجار المحترم لا يحتاج إلى أن يضع يده في جيب جاره كي يثبت صداقته، والصديق الحقيقي لا يطلب منك أن تتنازل عن قرارك كي يثبت أنه صديق.
العراق الذي تعاني مدنه من الحفر، وشبابه من البطالة، ومؤسساته من الترهل، وخدماته من العجز، لا يحتاج إلى المزيد من المعارك التي لا يعرف المواطن لماذا بدأت ولا متى تنتهي. المواطن يريد مدرسة لا ثكنة، ومستشفى لا خندقاً، وشارعاً لا متراساً، وفرصة عمل لا بندقية، ويريد أن يرى الدولة وهي تبني مستقبله بدلاً من أن يراه يضيع في حسابات المحاور.ومن يريد أن يحمل السلاح خارج العراق دفاعاً عن مشروع دولة أخرى، فليتذكر أن الأوطان لا تُدار بالوكالة، وأن العراقي الذي يموت من أجل بلده أولى بدمه من العراقي الذي يُطلب منه أن يموت في معركة لا علاقة لها بخبزه ومستقبل أطفاله. الوطنية ليست أن تسأل: من معنا؟ بل أن تسأل أولاً: أين العراق؟
لقد ملّ العراقي من أن يكون رقماً في دفاتر الآخرين، ومن أن تتحول أرضه إلى منصة لتبادل الرسائل، ومن أن يصبح أمنه جزءاً من لعبة أكبر منه. وما يحتاجه اليوم هو صحوة وطنية هادئة، لا طائفية فيها ولا كراهية، تقول للجميع: مرحباً بالعلاقات، أهلاً بالجوار، نعم للتعاون، لكن القرار العراقي للعراقيين.قاآني أو غيره، إيران أو غيرها، الفصائل أو الأحزاب أو الحكومات؛ كل الأسماء تصبح صغيرة أمام اسم العراق. فمن أراد للعراق الخير فليساعده على بناء دولة قوية، ومن أراد له السيادة فليحترم مؤسساته، ومن أراد له الاستقرار فليقبل بأن يكون السلاح تحت القانون.
فالهيبة الحقيقية لا تصنعها البنادق، وإنما تصنعها دولة يستطيع فيها المواطن أن ينام آمناً، ويعمل بكرامة، ويختلف دون خوف، ويحاسب المسؤول دون أن يخشى الفصيل، ويرى حدود وطنه واضحة في الخرائط كما هي واضحة في القرار.العراق لا يريد أن يطرد أحداً من قلبه، لكنه يريد أن يستعيد قلبه من الجميع. لا يريد حرباً مع أحد، بل يريد نهاية الحرب التي تجري داخل معنى الدولة نفسها. ولا يريد أن يكون تابعاً لمحور، بل أن يكون محوراً لذاته.وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا تستطيع كل الخطب السياسية دفنه: هل نريد عراقاً تديره مؤسسات الدولة، أم عراقاً تتقاسم قراره البنادق والولاءات؟ إذا كان الجواب عراقاً حراً، فالبداية واضحة: دولة واحدة، قانون واحد، قرار واحد، وسلاح لا يعلو على سلطة الوطن.وهذه ليست خصومة مع شعب، ولا حرباً على مذهب، ولا عداءً لجار؛ إنها ببساطة محاولة لإعادة العراق إلى مكانه الطبيعي: وطناً لا يأخذ أوامره من أحد، ولا يعطي قراره لأحد.