|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 8 / 16
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
16 آب أغسطس 2026
دراسة تحليلية في الحلقة الأولى من مشروع جون ميرشايمر الجديد
بعد أكثر من أربعة أعوام على إندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، يعود عالم السياسة الأميركي البروفيسور جون ميرشايمر إلى السؤال الذي شكّل محور أبحاثه لعقود: لماذا يفشل الردع، ولماذا تختار دولة ما الحرب عندما تكون كلفتها المحتملة مرتفعة؟
في الحلقة الأولى من سلسلته الجديدة حول أصول الحرب في أوكرانيا، لا يقدم ميرشايمر رواية تاريخية جديدة فحسب، بل يحاول إعادة بناء طريقة النظر إلى الحرب نفسها. فبدلاً من الإنطلاق من فرضية أن روسيا هاجمت أوكرانيا لأنها كانت تعتقد أنها تستطيع إحتلالها سريعًا، يقترح تفسيرًا مختلفًا: روسيا لم تكن تملك إستراتيجية حرب خاطفة أصلًا، وإنما لجأت إلى حرب محدودة الأهداف تحت ضغط سياسي وإستراتيجي شديد، ثم تحولت هذه الحرب إلى إستنزاف طويل.
هذه الفكرة هي العمود الفقري للحلقة، وهي في الوقت نفسه النقطة التي تجعل طرح ميرشايمر مثيرًا للجدل.
عرض الحلقة الأولى: أصول الحرب في أوكرانيا عند جون ميرشايمر
أصول الحرب في أوكرانيا: لماذا فشل الردع؟
في أولى حلقاته على قناته الجديدة، يعود عالم السياسة الأميركي جون ميرشايمر إلى السؤال الأكثر إثارة للجدل في الحرب الأوكرانية: لماذا لم تنجح إستراتيجية الردع في منع روسيا من شن الحرب في 24 شباط/فبراير 2022؟
لا يبدأ ميرشايمر إجابته من تاريخ العلاقات الروسية ـ الأوكرانية، ولا من شخصية فلاديمير بوتين، بل من نظريته في الردع التقليدي التي طورها منذ دراسته للحرب الباردة. ومن خلال هذه النظرية يحاول تفسير ليس فقط قرار موسكو إستخدام القوة، وإنما أيضًا الطريقة التي تطورت بها الحرب من عملية عسكرية محدودة الأهداف، وفق تفسيره، إلى حرب إستنزاف طويلة.
الردع بين السياسة والقدرة العسكرية
يقوم تحليل ميرشايمر على متغيرين أساسيين: المتغير السياسي والمتغير العسكري.
المتغير العسكري يتعلق بتقدير الدولة لقدرتها على خوض الحرب: هل تستطيع تحقيق نصر سريع وحاسم؟ أم أنها ستضطر إلى خوض حرب إستنزاف طويلة ومكلفة؟
أما المتغير السياسي فيتعلق بحجم الضغوط التي تدفع الدولة إلى الحرب. فحتى عندما لا تمتلك دولة القدرة العسكرية المثالية لتحقيق أهدافها، قد تجد نفسها مضطرة إلى إستخدام القوة إذا إعتقدت أن المشكلة التي تواجهها خطيرة إلى درجة لا يمكن معها الإنتظار.
ومن هنا يستعيد ميرشايمر فكرة كلاوزفيتز الشهيرة بأن الحرب إمتداد للسياسة بوسائل أخرى: فالقرار العسكري لا يمكن فهمه منفصلًا عن الحسابات السياسية التي تقف خلفه.
ثلاث إستراتيجيات للحرب
يضع ميرشايمر أمام الدولة التي تفكر في شن حرب تقليدية واسعة ثلاثة خيارات أساسية.
▪️الأول هو الحرب الخاطفة، التي تستهدف تحقيق نصر سريع وحاسم قبل أن يتمكن الخصم من تعبئة قدراته. ويستشهد بالحملة الألمانية في فرنسا عام 1940 نموذجًا لها.
▪️الثاني هو حرب الإستنزاف، التي تسعى أيضًا إلى تحقيق نصر حاسم، ولكن من خلال مواجهة طويلة تستنزف قدرات الخصم تدريجيًا.
▪️أما الثالث فهو إستراتيجية الأهداف المحدودة، حيث لا تحاول الدولة تدمير الخصم أو إحتلاله بالكامل، وإنما تستولي على جزء من أراضيه أو تحقق هدفًا محدودًا ثم تنتقل إلى وضع دفاعي.
وهنا يصل ميرشايمر إلى فرضيته الأساسية: الحرب الخاطفة هي الإستراتيجية الأكثر قدرة على إسقاط الردع؛ لأن الدولة التي تعتقد أنها قادرة على تحقيق نصر سريع قد ترى أن تكلفة الحرب مقبولة.
أما إذا كانت تعرف أنها ستدخل في حرب إستنزاف طويلة، فإن الحساب يصبح أكثر صعوبة، ويصبح الردع أكثر إحتمالًا للنجاح.
لماذا قد تختار دولة حربًا محدودة رغم ضعفها؟
هنا يدخل المتغير السياسي.
يرى ميرشايمر أن الدولة قد تلجأ إلى إستراتيجية الأهداف المحدودة رغم إدراكها أنها ليست في وضع يسمح لها بتحقيق نصر شامل، إذا كانت الضغوط السياسية التي تدفعها إلى الحرب قوية جدًا.
ويستشهد بحالتين تاريخيتين: مصر في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، واليابان في هجومها على بيرل هاربر عام 1941.
في الحالتين، لم تكن الدولة المهاجمة تعتقد أنها تستطيع تحقيق نصر شامل على خصم أقوى منها. لكنها إعتقدت، وفق تفسير ميرشايمر، أن عدم التحرك يحمل مخاطر سياسية وإستراتيجية أكبر من مخاطر الحرب.
وهذه الفكرة هي المفتاح الذي يستخدمه لاحقًا لتفسير القرار الروسي.
أوكرانيا: هل كانت موسكو تسعى إلى حرب خاطفة؟
ينتقل ميرشايمر بعد ذلك إلى أوكرانيا، ويواجه مباشرة ما يسميه «الرواية السائدة في الغرب»: أن بوتين أراد إحتلال أوكرانيا بأكملها، وإسقاط حكومتها، وضمها إلى روسيا أو إلى مجال روسي واسع، وأن موسكو إعتقدت أنها تستطيع تحقيق ذلك بسرعة.
إذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإن الحرب تبدو مثالًا تقليديًا لفشل الردع: روسيا إعتقدت أنها تستطيع تحقيق إنتصار خاطف، ولذلك قررت الهجوم.
لكن ميرشايمر يرفض هذا التفسير.
حجته الأولى عسكرية. فهو يرى أن القوات الروسية التي دخلت أوكرانيا لم تكن كبيرة بما يكفي لإحتلال بلد بحجم أوكرانيا، ويقدر حجم القوة الروسية المشاركة في بداية الحرب بما لا يزيد، في تقديره، على نحو 190 ألف جندي، بينما يستشهد بتقديرات أقل بكثير.
ويقارن ذلك بحجم القوات الألمانية التي شاركت في غزو بولندا عام 1939، ليخلص إلى أن الجيش الروسي في شباط/فبراير 2022 لم يكن يشبه الجيش الألماني الذي إمتلك القدرة على تنفيذ عمليات هجومية واسعة وسريعة.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرحه ميرشايمر هو: كيف يمكن تفسير هدف إحتلال أوكرانيا كلها بجيش لا يمتلك، في تقديره، الوسائل العسكرية اللازمة لتحقيقه؟
المفاوضات بعد بداية الحرب
يقدم ميرشايمر حجة ثانية يعتبرها أكثر دلالة: المفاوضات الروسية ـ الأوكرانية التي بدأت بعد إندلاع الحرب بفترة قصيرة.
فبعد بدء العمليات العسكرية، بدأت إتصالات للتفاوض، ثم وصلت المحادثات إلى إسطنبول في آذار/مارس 2022.
ويعتبر ميرشايمر أن الإنسحاب الروسي من مناطق محيطة بكييف بالتزامن مع مسار المفاوضات يمثل مؤشرًا مهمًا على أن موسكو لم تكن تسعى إلى إحتلال أوكرانيا بأكملها.
وفي قراءته، كان الموضوع المركزي هو حياد أوكرانيا ومنع إنضمامها إلى حلف الناتو، وليس ضم كامل الأراضي الأوكرانية إلى روسيا.
ومن هنا يربط ميرشايمر بين حجم القوات الروسية، وطبيعة العمليات، ومحاولة التفاوض، ليقدم إستنتاجه الأساسي: ما حدث لم يكن حربًا خاطفة فاشلة، وإنما حرب محدودة الأهداف تحولت لاحقًا إلى حرب إستنزاف.
التهديد الوجودي في الحساب الروسي
لكن لماذا قررت موسكو إستخدام القوة إذا لم تكن تمتلك القدرة على تحقيق نصر حاسم؟
هنا يعود ميرشايمر إلى المتغير السياسي.
يرى أن روسيا إعتبرت منذ إعلان الناتو في قمة بوخارست عام 2008 أن إحتمال إنضمام أوكرانيا إلى الحلف يمثل تهديدًا بالغ الخطورة لأمنها.
وبحسب تفسيره، لم تكن موسكو تريد بالضرورة إحتلال أوكرانيا، لكنها أرادت منع تحولها إلى «حصن غربي» على الحدود الروسية.
ويشير إلى الأشهر الثلاثة التي سبقت الحرب، ولا سيما نهاية عام 2021 وبداية عام 2022، بإعتبارها فترة بذلت خلالها روسيا جهودًا دبلوماسية لتغيير الترتيبات الأمنية في أوروبا.
ومن وجهة نظره، لم تستجب الولايات المتحدة والدول الأوروبية بصورة كافية للمطالب الروسية، الأمر الذي دفع القيادة الروسية إلى إستنتاج أن الخيار الدبلوماسي لن يؤدي إلى النتيجة التي تريدها.
وهنا، بحسب النظرية التي يطرحها، أصبحت الضغوط السياسية قوية بما يكفي لدفع موسكو إلى إستخدام القوة، رغم عدم إمتلاكها خيار الحرب الخاطفة.
من الحرب المحدودة إلى حرب الإستنزاف
لكن إستراتيجية الأهداف المحدودة تحمل مشكلة جوهرية في نظر ميرشايمر: الطرف الآخر قد لا يستسلم.
وهذا ما حدث في أوكرانيا، وفق تفسيره.
لم تؤدِ العمليات الروسية إلى إجبار كييف على قبول الشروط الروسية، كما لم تنجح مفاوضات إسطنبول في إنهاء الحرب.
وفي الوقت نفسه، حصلت أوكرانيا على دعم واسع من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ما جعلها قادرة على مواصلة القتال.
وهكذا تحولت العملية التي يصنفها ميرشايمر بإعتبارها حربًا محدودة الأهداف إلى حرب إستنزاف طويلة.
وهذه النتيجة، في رأيه، لا تناقض نظريته، بل تؤكدها: عندما تفشل الإستراتيجية المحدودة في تحقيق تسوية سياسية، يمكن أن تنزلق إلى إستنزاف طويل، وهو تحديدًا ما حاولت الدول تجنبه عندما لا تكون الضغوط السياسية التي تدفعها إلى الحرب شديدة للغاية.
الخلاصة: تفسير مختلف للحرب
الخلاصة التي يقدمها ميرشايمر هي أن الحرب الأوكرانية ينبغي ألا تُفهم بإعتبارها نتيجة لإعتقاد روسي بإمكانية إحتلال أوكرانيا بسرعة، بل بإعتبارها فشلًا للردع التقليدي في ظروف سياسية شديدة الضغط.
فروسيا، بحسب روايته، لم تكن تمتلك خيار الحرب الخاطفة، لكنها إعتبرت القضية الأوكرانية تهديدًا إستراتيجيًا بالغ الخطورة، ولم ترَ في الدبلوماسية الغربية وسيلة كافية لمعالجة هذا التهديد.
لذلك إختارت إستراتيجية الأهداف المحدودة، أملاً في تحقيق هدف سياسي أساسي: إجبار أوكرانيا على تبني وضع محايد ومنع تحولها إلى جزء من المنظومة الأمنية الغربية.
لكن هذه الإستراتيجية لم تحقق الغاية المطلوبة، وتحولت الحرب إلى صراع إستنزاف طويل تشارك فيه روسيا من جهة وأوكرانيا بدعم غربي من جهة أخرى.
لماذا تستحق الحلقة الإهتمام؟
أهمية الحلقة لا تكمن فقط في موقف ميرشايمر من روسيا أو الناتو، وإنما في أنه يحاول إعادة صياغة السؤال نفسه.
بدل السؤال التقليدي: لماذا غزت روسيا أوكرانيا؟، يقترح ميرشايمر سؤالًا آخر: لماذا فشل الردع في منع روسيا من إستخدام القوة رغم أن موسكو لم تكن تمتلك قدرة واضحة على تحقيق نصر سريع وحاسم؟
هذا التحول في صياغة السؤال يسمح له ببناء تفسير يجمع بين حسابات القوة العسكرية والضغوط السياسية، ويضع توسع الناتو، والحياد الأوكراني، والمفاوضات السابقة للحرب، ومفاوضات إسطنبول، في إطار واحد.
ومع ذلك، فإن قيمة هذا الطرح لا تعني أن جميع مقدماته أو إستنتاجاته تحظى بإجماع تاريخي. فمسائل مثل النوايا الروسية الأصلية، وأهداف عملية شباط/فبراير 2022، ومسؤولية إنهيار مفاوضات إسطنبول، ومدى إعتبار توسع الناتو «تهديدًا وجوديًا» لروسيا، ما تزال موضوعات خلافية بين الباحثين.
ولهذا يمكن النظر إلى الحلقة بوصفها محاولة نظرية لإعادة تفسير الحرب أكثر من كونها رواية نهائية متفقًا عليها لأسباب إندلاعها.
وفي النهاية، يقدم ميرشايمر أطروحته في صورة واضحة ومباشرة: لم تفشل الدبلوماسية لأن روسيا كانت قادرة على تحقيق نصر سريع، ولم تبدأ الحرب لأن موسكو كانت تملك جيشًا قادرًا على إحتلال أوكرانيا بأكملها؛ بل فشل الردع، في تفسيره، لأن القيادة الروسية إعتبرت القضية وجودية، ولم تجد في المسار الدبلوماسي الغربي طريقًا لمعالجة ما إعتبرته تهديدًا أمنيًا أساسيًا.
ومن هذه الزاوية، تصبح الحرب الأوكرانية بالنسبة إلى ميرشايمر مثالًا كلاسيكيًا على الكيفية التي يمكن أن تدفع بها الضغوط السياسية الشديدة دولةً إلى خوض حرب لا تملك فيها حتى أفضل إستراتيجية عسكرية ممكنة، ثم تجد نفسها عالقة في حرب إستنزاف أطول وأكثر كلفة مما كانت تتوقع.