أقذر القاذورات .

حامد الضبياني
2026 / 8 / 14

أقذرُ القاذوراتِ
أن تضعكَ أمُّكَ حرّاً
ثم يجيءُ من يبيعُ لكَ الحريةَ
مشروطةً بأن تنحني،
وأن تخلعَ عقلكَ عند الباب،
وأن تمشي حافياً
فوقَ جثثِ الحقيقة.
يريدونكَ أن تشتمَ أفلاطون،
وأن تتبوّلَ على نيوتن،
وأن تقتلَ فينوسَ وعشتار،
وأن تكسرَ القيثارةَ
على رأسِ أغنية،
وأن تحرقَ الموناليزا
كي لا يبقى في العالم
وجهٌ أجملُ من وجوههم.
يريدونكَ أن تلعنَ الخليلَ
وسيبويه،
وأن تمزّقَ الكتبَ
كتاباً كتاباً،
وأن تقتلعَ الحروفَ
من أفواهِ الأطفال،
وأن تكسرَ الأقلامَ
حتى لا يجدَ المستقبلُ
شاهداً على الجريمة.
يريدونكَ أن تحطمَ الحاسوب
وتطفئَ المصباح
وتردمَ نافذةَ المعرفة،
ثم يقولون لك:
هكذا تكونُ مطيعاً!
يريدونَ عقلاً بلا عقل،
وعيناً بلا بصر،
وفماً بلا سؤال،
وشعباً يصفّقُ
حتى تتورّمَ يداه
وهو لا يعرفُ
لمن يصفّق.
أما الطيبون
فهم في قاموسِ الوحوش
خطأٌ يجبُ تصحيحه،
والحالمون
جرمٌ مؤجل،
والشرفاء
مشكلةٌ أمنية،
والذين يقولونَ الحقيقة
مشاغبون
ينبغي إسكاتُهم
قبل أن يسمعَ الشعبُ نفسه.
الوحوشُ باقية،
تغيّرُ الأقنعةَ فقط،
تجلسُ في الصفوفِ الأولى،
تلبسُ البدلات،
تضعُ العطور،
وتتحدثُ عن الوطن
بفمٍ تفوحُ منه
رائحةُ الخزائن.
القوّادون،
السُّرّاق،
الطائفيون،
العملاء،
الخونة،
باعةُ الضمائر
في سوقٍ لا يغلقُ أبوابه.
استبعادٌ،
إذلالٌ،
افتراسٌ،
ومحرقةٌ بطيئة
لكلِّ ما تبقّى
من إنسان.
إنهم لا يفهمون
إلا لغةَ القوة،
ولا يقرأونَ ما نكتب،
لأنهم اعتادوا
أن يقرأوا الأرقامَ
لا الوجوه،
والأختامَ
لا القلوب،
والتقاريرَ
لا صرخاتِ الأمهات.
وأبصقُ
على كلِّ سياسيٍّ
جعلَ الكرسيَّ وطناً،
والوطنَ سلّماً،
والشعبَ رقماً،
والدمَ خبراً عاجلاً
ثم نامَ هادئاً.
مدافعُ الرعبِ
تدقُّ الأبواب،
والأطفالُ يصرخون،
والنساءُ ترتجف،
والشيوخُ يفتّشونَ
في وجوهِ الموت
عن يومٍ لم يأتِ.
ولا يعني ذلك شيئاً
لمن يحرسُ الكرسي.
فالكرسيُّ مصان،
والقصرُ آمن،
والخدمُ يرقصون،
والطبلُ أعلى
من أنينِ المدن.
يا لهذا العالم
كم يحتاجُ من مقصلةٍ
كي يستعيدَ رأسَه!
كم يحتاجُ من صرخةٍ
كي يستيقظَ الحجر!
كم يحتاجُ من شاعرٍ
كي يقولَ للملك:
أنتَ عارٌ
يمشي على قدمين!
أنا لا أريدُ عالماً
يُكافئُ الذئب
لأنه أكلَ الخروفَ
بأناقة.
لا أريدُ وطناً
يُسجنُ فيه القلم
وتُمنحُ فيه البنادقُ
حصانةَ الآلهة.
لا أريدُ سماءً
تخافُ من أغنية،
ولا أرضاً
تعتبرُ الكتابَ مؤامرة،
ولا مستقبلاً
يُولدُ من رحمِ الجهل.
أريدُ طفلاً
يقرأُ أفلاطون
دون أن يخاف،
ويكتشفُ نيوتن
دون أن يُطلبَ منه
أن يركع،
ويرى عشتار
فتبتسمُ له الحضارة،
ويرى فينوس
فيعرفُ أن الجمالَ
لم يكن يوماً جريمة.
أريدُ يداً
تحملُ كتاباً
لا بندقية،
وقلباً
يحملُ حلماً
لا خنجراً،
وصوتاً
يقولُ الحقيقة
حتى لو كانت الحقيقةُ
أعلى من عرشِ السلطان.
لكنهم
ما زالوا هناك...
يبيعونَ الجهلَ
على أنه حكمة،
ويبيعونَ الخوفَ
على أنه أمن،
ويبيعونَ الطاعةَ
على أنها وطنية،
ويبيعونَ الموتَ
على أنه قدر.
وكلما ماتَ بريء
أقاموا مؤتمراً.
وكلما احترقَ بيت
رفعوا صورةَ الوطن.
وكلما بكى طفل
زادوا حراسةَ القصور.
وكلما ارتفعَ صوتُ الحق
رفعوا صوتَ الميكروفون.
أيُّ عالمٍ هذا
الذي صارَ فيه
الصمتُ حكمة،
والجبنُ سياسة،
والسرقةُ فهماً،
والخيانةُ وجهةَ نظر؟
آهٍ يا عالمَ الوحوش...
لقد تعبَ القلبُ
من حملِ جنازاته،
وتعبَ القلمُ
من عدِّ ضحاياه،
وتعبَتِ الأغاني
من الغناءِ للخراب.
حتى الطيورُ
صارت تبحثُ عن شجرةٍ
لا يملكُها مسؤول.
حتى العصافيرُ
تخافُ أن تغرّدَ
فتُتهمَ بإزعاجِ السلطة.
وحتى العقلاء
صاروا يمشونَ بحذر،
كأن الحقيقةَ
لغمٌ مزروعٌ
تحتَ كلِّ كلمة.
الموتُ قادم...
لا لأننا نحبُّ الموت،
بل لأنهم
قتلوا فينا
كلَّ أسبابِ الحياة.
الموتُ قادم...
والجميعُ يرددون
بصوتٍ واحد:
لا نريدُ أن نعيشَ
في عالمِ الوحوش.
لا نريدُ أن نكونَ
قطعاناً تمشي
خلفَ جزارٍ
يسمّي السكينَ قانوناً.
لا نريدُ أن نصحو
كلَّ صباح
فنكتشفَ أن إنسانيتنا
قد سُرقت
أثناءَ النوم.
لا نريدُ كرسياً
أعلى من الإنسان.
لا نريدُ سلطةً
أقدسَ من الدم.
لا نريدُ وطناً
يُطلبُ من أبنائه
أن يموتوا
كي يعيشَ اللصوص.
نريدُ العالمَ
كما خلقه الشعراءُ
في أحلامهم:
كتاباً مفتوحاً،
وقلباً مفتوحاً،
ونافذةً لا تخافُ الشمس،
وطفلاً يضحكُ
دون أن يعرفَ معنى الحرب.
فإن كان ذلك حلماً،
فدعونا نحلم.
وإن كان الحلمُ جريمة،
فنحنُ مجرمون.
وإن كان قولُ الحقيقةِ كفراً
فليشهدِ التاريخُ
أننا لم نؤمنْ
بآلهةِ الكراسي.
سنكتب...
حتى لو كُسرت الأقلام.
سنغني...
حتى لو قُطعت الحناجر.
سنحلم...
حتى لو طاردتنا الوحوش.
وسنظلُّ نقول:
لا نريدُ العيشَ
في عالمِ الوحوش.
لأن الإنسانَ
حين يفقدُ حريته
لا يموتُ دفعةً واحدة...
بل يموتُ
كلَّ يومٍ
قليلاً...
حتى يصبحَ
جسداً يمشي،
وظلاً يصفّق،
وقبراً
لم يُدفنْ بعد