مراجعات مؤجلة

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 13

1/دفتر الحسابات

بعد الستين بدأت تكتب في دفتر صغير أسماء الرجال الذين أحبتهم،ليس لتستعيدهم،فقط لتعرف أين أخطأت.
-الأول: وسيم، كاذب، ممتاز في القُبل.
-الثاني: فقير، مخلص، سيئ المزاج.
-الثالث: متزوج، وهذا يكفي لإلغاء بقية الصفات.
-الرابع: زوجها.
وضعت بجانب اسمه علامةاستفهام طويلةدخل عليها،أخفَت الدفتر.
— ماذا تكتبين؟
— حسابات قديمة.
— هل أنا مدين لك؟
نظرت إليه،وقالت: جدًا.
— كم؟
— أربعون سنة.
ابتسم ورد: سأدفع بالتقسيط.
أغلقت الدفتر،كانت تعرف أنه لن يسدد شيئًا،ومع ذلك بقيت معه،ربما لأن بعض الديون تصبح مع الوقت نوعًا من الحب.

2/ الرسالة الصوتية

بعد التقاعد صار يرسل لها رسائل صوتية:
-كل صباح:صباح الخير.
-كل مساء:تصبحين على خير.
بعد شهر قالت له:لماذا تفعل هذا ونحن نسكن في البيت نفسه؟
— لأنك لا تسمعينني عندما أتكلم.
— أسمعك.
— إذن لماذا تردين دائمًا: ماذا قلت؟
ضحكت،في إحدى الليالي أرسل لها تسجيلًا مدته دقيقتان،فتحته في الغرفة المجاورة،كان صوته مترددًا:أحيانًا أشعر أننا قضينا العمر كله نؤجل الأشياء الجميلة.
توقفت عن التنظيف،أعادت التسجيل،في آخره سمعته يقول:غدًا نذهب إلى البحر.
ابتسمت،في الصباح كان قد نسي،لم تذكره،اشترت تذكرتين،وأيقظته.
— ارتدِ ملابسك.
— إلى أين؟
— البحر.
— لماذا؟
— لأنني لا أثق بذاكرتك.

3/صالون النساء

في صالون الحي كانت النساء يعرفن أكثر مما يعرفه الأزواج:
-زوجة سامي تخون سامي.
-زوجة نادر تريد الطلاق.
-ليلى تحب مديرها.
-والأرملة الجديدة تضع عطرًا أكثر مما يلزم.
ثم دخلت امرأة في الثانية والستين،جلست وقالت: لدي سر،توقفت الأحاديث.
— أحب رجلًا.
شهقت النساء.
— من؟
ابتسمت:
— زوجي.
صمت ثقيل،ثم انفجرن ضحكًا،إحداهن لم تصدق.
— بعد أربعين سنة؟
هزت رأسها.
— اكتشفته متأخرًا.
— كيف؟
— مات أسبوعًا كاملًا في المستشفى.
لم تعرف أن بإمكانها أن تفقده،حين عاد إلى البيت، شعرت أنه رجل آخر،والأسوأ أنها لم تكن مستعدة لإخباره.

4/ موعد الحلاقة

منذ أن أصبح في الخامسة والستين، صار يحلق ذقنه قبل الذهاب إلى السوق،زوجته لاحظت.
— لماذا تتأنق؟
— السوق.
— السوق لا يحتاج إلى عطر.
— ربما أقابل أحدًا.
— من؟
— الجزار.
في اليوم التالي وضع قميصًا جديدًا،ابتسمت،وسألت: الجزار امرأة؟
تلعثم.
— هناك أرملة تبيع الجبن.
ضحكت.
— إذن اشترِ الجبن.
بعد ساعة عاد.
— اشتريت.
— وهل كانت جميلة؟
سكت.
— جدًا.

أخذت كيس الجبن.
— غدًا أريدك أن تشتري لي منها أيضًا.
نظر إليها.
— لماذا؟
— أريد أن أرى المرأة التي جعلت زوجي يحلق ذقنه.
في اليوم التالي ذهبت معه،كانت بائعة الجبن في السابعة والسبعين،نظر إليها،ثم إلى زوجته.
قالت الزوجة:أظن أنك تستطيع الاستمرار في حب الجبن.

5/الفندق

حجزا غرفة في فندق صغير،بعد ثلاثين عامًا من الزواج،لم يخبرَا أولادهما،قالت لهم إنهما ذاهبان لزيارة صديقة،وقال لهم هو إنهما ذاهبان إلى مؤتمر،عندما وصلا إلى الفندق اكتشفا أن الحجز باسم امرأة أخرى،زوجته نظرت إليه.
— من هذه؟
— لا أعرف.
— الفندق باسمها.
— ربما خطأ.
ذهبا إلى الغرفة،كانت امرأة قد سبقتهم إليها.
صرخت،صرخ هو،ثم اكتشفوا أن الفندق أعطى الغرفة نفسها لشخصين،في النهاية جلس الثلاثة في الاستقبال،اعتذرت الإدارة،ضحكت زوجته.
— تخيل أن أول خيانة لنا بعد ثلاثين سنة كانت بسبب خطأ في الحجز،نظر إليها.
— ومن قال إننا خنّا؟
— لم نخن.
ثم أضافت: لكننا أخفينا الفندق عن أولادنا.
ابتسم، وقال: هذا يكفي ليجعل الرحلة ناجحة.

6. المرأة التي عادت

بعد أربعين سنة وصلته رسالة من حبيبته القديمة.رأيت صورتك. ما زلت كما أنت،أجاب:كذابة،ضحكت،استمرت المراسلة شهرًا،ثم التقيا،كانت قد أصبحت جدة،وهو أيضًا،جلسا أمام بعضهما،لم يعرفا ماذا يفعلا،تحدثا عن الأولاد،ثم الأحفاد،ثم ضغط الدم،ثم أسعار العقارات.
قالت:أين ذهبنا؟
أجاب: كبرنا.
اقتربت منه،قبّلته على خده.
عاد إلى البيت،كانت زوجته تقرأ،رفعت عينيها.
— كيف كان اللقاء؟
تجمد.
— كيف عرفتِ؟
— أنت تضع العطر نفسه الذي كنت تضعه عندما تذهب إلى حبيبتك القديمة،ضحك.
قالت: تعال.
— لماذا؟
— أريد أن أعرف إن كان العطر ما زال يعمل.

7/ سرّ الأولاد

أخبرته ابنته: أمي تخرج وحدها كل خميس.
— أعرف.
— تعرف؟
— نعم.
— إلى أين تذهب؟
— لا أعرف.

ثم صمت،قالت:
— وأنت إلى أين تذهب كل أربعاء؟
نظر إليها.
— أنت تعرفين؟
— لا.
دخلت الأم،وجدتهم صامتين.
— ماذا هناك؟
ابتسمت الابنة: لا شيء،خرجت.
التفتت الأم إلى زوجها.
— ماذا قلت لها؟
— لا شيء.
— وأنت تعرف أين أذهب؟
— نعم.
— وكيف؟
— لأنني أراقبك.
ضحكت.
— وأنا أعرف أين تذهب.
— وكيف؟
— لأنني أراقبك أيضًا.
جلسا صامتين،بعد قليل قالت: نحن زوجان مملان جدًا.
أجاب: بل مخيفان.

8/ المقاس

في الرابعة والستين اشترت له قميصًا أصغر من مقاسه.
— هذا لن يناسبني.
— جرب.
جربه،أغلق الزر الأخير بصعوبة ضحكت.
— أصبحت سمينًا.
— وأنتِ أصبحتِ قاسية.
— كنت أظن أنك تحب ذلك.
نظر إليها.
— أحبك عندما تكونين قاسية.
سكتت.
— لماذا؟
— لأنك كنتِ لطيفة جدًا مع الجميع عندما كنا شبابًا.
— والآن؟
— الآن أريد أن تكون قسوتك لي وحدي،خلعت القميص،أعادته إلى المتجر،واشترت مقاسين،واحدًا له،وواحدًا لنفسها.
في المساء ارتديا القميصين،وبدآ يتشاجران حول من يبدو أكبر سنًا،كانت تلك أكثر ليلة رومانسية منذ سنوات.

9/ الوصية

كتب وصيته بعد الستين.
-ترك البيت لابنه الأكبر.
-المدخرات للصغرى.
-الكتب للحفيد.
-الصور لزوجته.
ثم توقف،كتب سطرًا:كل ما تبقى من الحب، لزوجتي.
قرأته زوجته،ضحكت.
— وهل الحب يُورث؟
— لا أعرف.
— وهل تبقى منه كمية؟
— قليل.
— كم؟
اقترب منها.
— يكفي ليلة أخرى.
أغلقت الوصية.
— لا تكتب أشياء كهذه.
— لماذا؟
— الأولاد سيختلفون عليها.
— ليختلفوا.
ثم مزقت الورقة.
— سنحتاجها.
— لماذا؟
— لأنني لم أقرر بعد ماذا سأترك لك.
— ماذا؟
نظرت إليه.
— عمري كله.
ثم ضحكت.
— لكن لا تتوقع أن آخذه معك إلى القبر.

10/ آخر إشاعة

انتشرت في الحي إشاعة أن الرجل والمرأة، بعد أكثر من أربعين سنة من الزواج، على وشك الانفصال.
-الجارة تعرف.
-الحلاق يعرف.
-البقال يعرف.
-حتى ابنهما عرف.
لم يكن في الأمر شيء،كانا فقط قد قررا أن ينام كل واحد منهما في غرفة لأن الشخير أصبح أقوى من الحب،في أحد الأيام جاء الابن غاضبًا: لماذا لم تخبراني؟
ضحكت الأم.
— بماذا؟
— أنكما ستنفصلان.
نظر الأب إلى زوجته.
— هل سننفصل؟
— لا أظن.
— لماذا؟
— لأنك لا تعرف أين وضعت جواربك.
قال الابن: إذن كل شيء بخير؟
— كل شيء ممتاز.
دخل الأب غرفته،بعد قليل عاد يحمل وسادته،وضعها بجانب زوجته.
— سأعود.
— إلى أين؟
— غرفتي.
— لماذا؟
— نسيت نظارتي.
ذهب،ضحكت،في اليوم التالي انتشرت إشاعة جديدة:أنهما تصالحا،لم يعرف أحد أنهما لم يتشاجرا أصلًا،كان الزواج، بعد كل تلك السنوات، قد صار أكبر من الحقيقة وأصغر من أن يصدقه أحد.