الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء

كاظم حسن سعيد
2026 / 8 / 11

الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء.
بدأ تعارفي بالدكتور الغزي محمود العساف حين قرات له:
‏<كتب الدكتور محمود عساف من القطاع:
جاءني اتصال من شخص لديه فرن، يعرض علي شراء ما تبقى من مكتبتي لأغراض الخبز على النا.. ر، ويشترط أن يكون الدفع (تطبيق بنكي) سنة ٢٠٢٤. ومنذ تلك اللحظة وكأني أقيم كل المآتم في قلبي، لكن يبدو أني سأضطر للموافقة لضيق الحال.
ليتني مت قبل هذا.‏>.
كان يستصرخ الضمير الانساني لنقله خارج القطاع ولكن لا احد كان يهتم.. فيما كانت مؤلفاته تتنقل في المعارض الدولية.
خبز..ماء..قطعة رغيف..نجاة من جحيم القصف ..صار اقصى الطموح...فيما انشغل العالم بكوارث متجددة وتناسى سعير غزة.
من ساعتها وانا اتابع يومياته وكيف يقطع كيلوات مشيا ليصل موقع الانترنيت ليؤدي نجله امتحانه تحت سقف من القاصفات..ليعود لشبه خيمة تضم عائلته وكيف كان يتمزق وهو يقتصد بتقسيم الرغيف والماء ليظل معهم حيا ..

عن المعارك التي لا تُسمع فيها أضوات الانفجارات، لكنها تهدم الروح من الداخل..."
مؤخرا نشر نصا صارخا كأنه يردد‏( اما آن لهذا العالم الفاجع ان يزول وينتهي القبح ‏).
​نص يلامس ألمًا صامتاً يعيشه كل إنسان يُحارب ليظل إنساناً وسط كل هذا الخراب. أسرع أنواع النزيف هو ذلك الذي يحدث داخلياً حين تجبرك الحياة على ارتداء "وجهٍ لا يشبهك"، لتمنح ابتسامة عابرة لمن حولك وأنت تتآكل من الداخل.
​تحية لكل محارب يخوض معركة البقاء والحفاظ على إنسانيته دون أن يحمل سلاحاً، ولكل من قيل له "اصمد" في وقتٍ أُنهك فيه كل شيء. نص موجع، صادق، ويختصر واقعاً أثقل من أن تُعبر عنه الكلمات.
.............

النص

‏(انا المحارب
أنا الذي أخوض الحرب الحقيقية كل يوم؛ أحارب الأحلام المغدورة، والآمال المعطوبة،، وقلة النوم، والحرّ ، وغياب أبسط مقومات الحياة.
أنا الذي أحارب مزاجيتي التي لم تعد تشبهني، وأفكاري السوداء التي تلاحقني، وتدفعني أحيانًا إلى الرغبة في الهروب… إلى أي مكان، حتى لو كان اللامكان.
أحارب كرهي للعالم، وغضبي من الساسة الأغبياء، ونقمي على كل من كان قادرًا على تغيير شيء ولم يفعل. أحارب الكوابيس اليومية التي توقظ في داخلي حزنًا دفينًا، وأحاول أن أبدو طبيعيًا في عالم لم يعد فيه شيء طبيعي.
أحارب قلقي من المستقبل، وجهلي بما ينتظرني غدًا، أحارب ذلك الصوت الذي يطلب مني أن أصمد في وطنٍ أنهكه التجار، وأثقلته المصالح، واغتالته الأنانية.
أحارب أولئك الذين يوزعون التفاؤل من خلف الشاشات، ويتحدثون عن الصبر والأمل وكأن النار لم تمسسهم، وكأنهم يعيشون في مكان آخر، منفصلين نفسيًا عن كل هذا الخراب.
أحارب نظرات أطفالي الحزينة، وعيون زوجتي المكسورة، وأسئلتهم التي لا أملك لها إجابات. أحارب انزعاجي من كل هذا السوء المحيط بي، وأحارب عجز الإنسان حين يرى من يحب يتألم ولا يستطيع أن يفعل شيئًا.
ومع ذلك…
أحاول كل يوم أن أرتدي وجهًا لا يشبه ما بداخلي. أزيّن معاناتي بكلمة طيبة، وأمنح ابتسامة عابرة لمن حولي، وأتظاهر بأنني بخير، رغم أن تلك الابتسامة لا تمت إلى سواد قلبي بصلة.
أنا المحارب.
أنا الذي يقاتل كل هذا دون أن يحمل سلاحًا.
أنا الذي يخوض معركة البقاء، ومعركة الحفاظ على ما تبقى منه في الوقت نفسه.
لذا، لا تخبرني عن الحرب من بعيد…‏).
د.محمود العساف

.....
أصعب الحروب هي تلك التي نخوضها ضد ذواتنا، وضد عجزنا أمام دمعة طفل أو نظرة مكسورة لمن نحب. أن تكون محارباً بغير سلاح، يحاول أن يبدو طبيعياً في عالم غير طبيعي، هي المعاناة الكبرى.
​نص ينبض بالوجع الصادق، ويصنع فارقاً بين من يتحدث عن الحرب من خلف الشاشات، وبين من يعيشها ويحرق قلبه كل يوم. فرّج الله عنكم وعن كل المكلومين."

............
الدكتور العساف: ولد في قطاع غزة – فلسطين عام 1978م.
​يحمل درجة الدكتوراه في الإدارة والتخطيط التربوي.: أكاديمي وباحث في القضايا التربوية والاجتماعية، عمل أستاذًا جامعيًا وشارك في إدارة وتطوير العديد من البرامج الأكاديمية والتربوية.
يجمع بين التخصص الأكاديمي الدقيق والإنتاج الأدبي والتوثيقي، وله حضور واسع في كتابة المقالات والدراسات التي تسلط الضوء على الواقع الفلسطيني والمعاناة الإنسانية في غزة، إلى جانب تطوير المنظومة التعليمية.
​ أبرز مؤلفاته ‏( ​التخطيط الاستراتيجي والإدارة التربوية: كتب ودراسات تناولت آليات تطوير المؤسسات التعليمية في ظل الأزمات.‏).وكتابه الادبي التوثيقي..كم موتا نحتاج لنصير احياء.