احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.

حامد الضبياني
2026 / 8 / 10

العراق لا يحتاج إلى من يوقظ فيه ذاكرة الطوائف، بل إلى من يوقظ ضميره الوطني. فكل قلم يكتب ليعيد العراقي إلى خندقه المذهبي، إنما يقتطع حجرًا جديدًا من جدار الوطن، ويمنح أعداء العراق فرصة أخرى لتمزيق ما بقي من وحدته.من المؤسف أن نقرأ بين الحين والآخر مقالات تحمل لغة التحليل السياسي في ظاهرها، لكنها تخفي بين سطورها خطابًا يقوم على التخويف والاستقطاب وإحياء الهويات الطائفية. والأسوأ من ذلك أن تصدر ممن كان يردد في مناسبات عديدة أن العراق هو هويته الأولى، وأن أسرته تضم انتماءات مذهبية متعددة، فإذا به يعود اليوم ليجعل الطائفة محور الحديث، وكأن العراق لم يعد يتسع لجميع أبنائه.إن من يكتب بلغة تحذر مكونًا من مكون، أو يصور مكونًا آخر على أنه يعيش خطرًا دائمًا دون أدلة ووقائع موثقة، لا يخدم الحقيقة، بل يفتح نافذة جديدة للشك والكراهية. فالعراقي الشريف، أيًا كان مذهبه أو قوميته، لا يرى في أخيه العراقي خصمًا، وإنما يرى فيه شريكًا في وطن أنهكته الحروب والفساد والانقسام.لقد عشنا سنوات طويلة في مدن لم تكن تسأل الطفل عن مذهبه، ولا الجار عن طائفته، ولا الزميل عن هويته الفرعية. كان الاسم العراقي هو العنوان، وكانت المحبة أقوى من كل التصنيفات. وما الذي جلبته الطائفية للعراق سوى المقابر، والأرامل، والأيتام، والمدن المهدمة، والنفوس المثقلة بالأحقاد؟إن الكاتب الحقيقي مسؤول عن كلمته، لأنها قد تبني جسرًا أو تشعل حريقًا. وعندما تتحول المقالات إلى منابر لإثارة المخاوف المذهبية، فإنها تفقد قيمتها الفكرية، وتصبح جزءًا من الأزمة بدل أن تكون جزءًا من الحل. العراق لا يحتاج إلى من يقسم أبناءه إلى معسكرات متقابلة، بل إلى من يذكرهم بأنهم جميعًا خاسرون إذا انتصر الانقسام.أما اللغة الجارحة والعبارات السوقية التي تُقحم في المقالات، فهي لا تمنح الكاتب قوة، بل تسلبه احترام القارئ. فالحجة لا تُقاس بحدة الشتيمة، وإنما بصلابة الدليل، والكاتب الواثق من منطقه لا يحتاج إلى الإساءة ليقنع الآخرين.إن نقد أي شخصية عامة حق مشروع، لكن تحويل النقاش إلى خطاب طائفي يزرع الخوف بين العراقيين أمر يجب رفضه مهما كان مصدره. فالمواطنة لا تُجزأ، والعدالة لا تُقاس بالمذهب، والفساد لا دين له، والوطن لا ينهض إلا إذا كان الجميع تحت سقف القانون نفسه.أقول لكل من يحاول النفخ في رماد الفتنة: كفى. لقد تعب العراقيون من تجار الانقسام، ومن الذين يعيشون على جراح الوطن. العراق أكبر من الطوائف، وأقدم من الانقسامات، وأبقى من كل الأصوات التي تحاول تمزيق نسيجه.فلنتكاتف جميعًا باسم العراق، لا باسم الطائفة. ولنجعل ولاءنا للدولة والقانون والإنسان، لا للشعارات التي أثبت التاريخ أنها لا تنتج إلا الخراب. فكل قلم يكتب للعراق هو قلم شريف، وكل قلم يكتب للطائفية، أيًا كان اتجاهها، إنما يطعن العراق في قلبه.