|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 9
الهامش الأخير بعد ان قطعت علاقتي مع Herr Schmidt *
1/السرير العاري
في الملجأ الليلي لم يبق سوى سرير واحد،وقف أمامه صديقي السابق،(زعيم المشردين، تتذكرونه Herr Schmidt )، وعائلة لاجئة تحمل طفلًا محمومً.
-قال الموظف: التعليمات لا تسمح إلا بسرير واحد.
-قال Schmidt : أعطوه للطفل.
نام الأب والأم جالسين حتى الصباح،أما صديقي فقد عاد ليقضى الليل تحت الجسر،في الصباح، كتب أحد المارة على الإنترنت:"المشردون أولى من اللاجئين."
وكتب آخر:"اللاجئون أولى من المشردين."
-لم يسأل أحد عن الرجل الذي نام تحت الجسر...
-ولا عن الطفل الذي بقيت حرارته أربعين درجة.
2/ عربة التسوق
جمعت علب المشروبات الفارغة منذ الفجر،حين وصلت إلى آلة الاسترداد، سبقني شاب مشرد من جماعة Herr Schmidt، كان يحمل كيسًا أكبر،نظرت إليه بغضب،ثم لاحظت أن أصابع الشاب ملفوفة بشريط طبي،قلت له : ماذا حدث؟
-قال: بحثت عنها في حاويات الزجاج المكسور.وقفنا صامتين،في الخارج كان الناس يتجادلون:من يستحق هذه السنتات أكثر؟أما نحن، فكنا نتجادل بصمت،من منا يستطيع الوقوف حتى نهاية الطابور.
3/ موعد الطبيب
احتاجت ابنتي الصغيرة إلى طبيب أسنان،أقرب موعد بعد سبعة أشهر،في غرفة الانتظار جلس Herr Schmidt ينتظر العملية نفسها منذ أشهر،قال وهو يبتسم للصغيرة: يبدو أننا سنبدل أسناننا في السنة نفسها،ضحكت الأم،بعد خروجها، سمع امرأة تهمس :كلهم يأخذون دورنا،وفي نهاية الممر، قال Schmidt للممرضة: امرأة غبية لا تلوميها،فهي لا تدرك أن الألم لا يعرف جواز السفر.
4/ حاوية الملابس
وصلت شحنة تبرعات،ركضنا جميعًا،بعد دقائق لم يبق إلا معطف واحد ممزق،قالت المتطوعة: أصلحوه فيما بينكم،أخذته امرأة لاجئة وخاطت كمَّه،ثم أعطته لصديقي Schmidt،الذي قال: لكنه يناسب ابنك.
-قالت: ابني ما زال يملك ذراعين دافئتين،أما أنت ، فلم يعد لديك أحد يدفئ كتفيك.
5/المصعد
في مركز اللجوء كان المصعد معطلًا منذ شهرين،صعدت امرأة تحمل عربة طفل،وصعد خلفها رجل يجر أسطوانة أكسجين،وفي الطابق الخامس جلس الاثنان يلهثان،قال الرجل:أظن أن البلدية تراهن على أن نصعد أقل،فنحتج أقل.
6/الخيمة
أزالت البلدية خيام المشردين من الحديقة،في اليوم نفسه وصل لاجئون جدد إلى مركز مكتظ،قال أحد الموظفين: لا مكان،ضحك صديقي Schmidt الذي كان يراقب المشهد، وقال: لا تقلقوا...بعد قليل سنلتقي جميعًا في الرصيف نفسه.
7/الطفل
في المدرسة طلبت المعلمة من الأطفال رسم غرفة نومهم:
-رسم أحدهم غرفة واسعة.
-ورسم طفل صديقي المشرد مقعدًا في محطة قطار.
-ورسم طفل جاري اللاجئ سريرًا بطابقين يفصل بينه وبين الأسرة الأخرى ستارة،علقت المعلمة الرسومات على الجدار تحت عنوان:"بيوتنا."
لم يعترض أحد الأطفال،أما نحن الكبار،فقد اختلفنا طويلًا حول معنى كلمة "بيت".
8/ القمامة
في منتصف الليل وصلت سيارة السوبرماركت لترمي الطعام المنتهي تاريخه،وقفنا نحن الثلاثة ننتظر:
-Schmidt
-وانا.
-ومتقاعدة لا يكفيها معاشها.
ألقى العامل الأكياس داخل الحاوية وأغلقها بقفل جديد،وقال:أوامر الإدارة.
نظرنا الثلاثة إلى بعضنا البعض، لأول مرة،لم يكن بينناما نتنافس عليه.
9/ الصورة
التقطت صحيفة صورة لرجل يوزع البطانيات على لاجئين،في الزاوية البعيدة من الصورة ظهر Herr Schmidt يراقب بصمت،في اليوم التالي امتلأت التعليقات:"ساعدوا أبناء البلد أولًا"،ولم ينتبه أحد إلى السطر الصغير أسفل الصورة:"الرجل الذي وزع البطانيات كان بلا مأوى حتى الشتاء الماضي."
10/الرقم
أعطت البلدية لكل واحد رقم انتظار.
-رقم لشقة.
-ورقم لطبيب.
-ورقم للمساعدات.
-ورقم للإقامة.
-ورقم للنوم في الملجأ.
بعد أشهر، قال Herr Schmidt لي انا اللاجئ وهو يضحك: هل تعرف ما الفرق بيننا؟
-قلت: لا.
أخرج بطاقته المهترئة،وقال:رقمي أقدم من رقمك فقط،أما الانتظار،فهو البيت الوحيد الذي منحوه لنا مجانًا.
*Herr Schmidt
هو احد شخصيات مجموعتي المعنونة ( هلوسات مهمش في بلاد الجرمان)
التي طبعت منذ عام ونصف ولم ينتبه لها أحد.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |