|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 8 / 9
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
9 آب أغسطس 2026
«الجمود» بإعتباره النتيجة الأكثر واقعية للصراع
في عالم السياسة الدولية، لا تحظى حالات الجمود بالكثير من الإعجاب. فالدبلوماسية تفضل الإتفاقات التاريخية، والعسكريون يبحثون عن الإنتصارات الحاسمة، والسياسيون يفضلون روايات النجاح الواضحة التي يمكن تسويقها للرأي العام. أما الجمود، فهو نتيجة رمادية لا تمنح أحدًا شعورًا كاملاً بالنصر ولا تنهي أسباب الصراع. ومع ذلك، يرى حسين بنائي، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة إنديانا وأحد المتخصصين في العلاقات الأميركية الإيرانية، أن هذا النوع من النتائج قد يكون أحيانًا أقرب إلى الواقع من كل مشاريع الحسم الكبرى.
في مقاله المعنون «عندما يكون وقف إطلاق النار مجرد جمود» ونشر في مجلة فورين أفيرز، ينطلق بناي من الحرب التي إندلعت بين الولايات المتحدة وإيران عام 2026 ليناقش فكرة أوسع وأعمق: هل أثبتت هذه الحرب أن العلاقة بين واشنطن وطهران وصلت إلى مرحلة لا يمكن فيها لأي طرف فرض إرادته بالكامل على الطرف الآخر؟ وهل أصبح التوازن القلق، لا الإنتصار الحاسم، هو النتيجة الأكثر واقعية؟
إتفاق يوقف الحرب ولا يحل الصراع
يبدأ بناي من الإتفاق الذي وقع في السابع عشر من يونيو 2026، والذي أدى إلى إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الأميركي. وبرأيه، فإن هذا الإتفاق لا يمثل تسوية سياسية شاملة بقدر ما يمثل إعترافًا متبادلًا بحدود القوة لدى الطرفين.
فالخلافات الجوهرية التي دفعت إلى الحرب بقيت على حالها تقريبًا. البرنامج النووي الإيراني لم يُحسم، والدور الإقليمي لطهران لم يتغير جذريًا، كما لم تتبدل نظرة الولايات المتحدة إلى إيران بإعتبارها أحد أبرز التحديات الأمنية في الشرق الأوسط.
من هنا يرفض الكاتب النظر إلى وقف إطلاق النار بإعتباره إنتصارًا واضحًا لأي طرف، ويراه أقرب إلى تثبيت حالة من التوازن القسري التي فرضتها الوقائع الميدانية.
مشكلة الأهداف الكبرى
أحد أهم محاور المقال يتمثل في نقد الأهداف التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل الحرب.
فبحسب بنائي، دخلت الإدارة الأميركية المواجهة وهي تطرح أهدافًا طموحة للغاية، من بينها القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتدمير القدرات الصاروخية، وتحطيم القوة البحرية الإيرانية، بل وتهيئة الظروف لتغيير النظام.
لكن الكاتب يرى أن مسار الحرب كشف فجوة كبيرة بين الطموحات السياسية والقدرات العملية.
صحيح أن الضربات الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، وأدت إلى مقتل عدد من القادة والعسكريين البارزين، إلا أن النظام الإيراني تمكن من إعادة تنظيم نفسه بسرعة، وإستمر في القتال، وإحتفظ بأدوات ضغط مؤثرة.
وفي هذا السياق يلاحظ بنائي أن المشكلة لم تكن في القوة العسكرية الأميركية ذاتها، بل في الإعتقاد بأن هذه القوة قادرة وحدها على تحقيق أهداف سياسية معقدة وعميقة الجذور.
فالتاريخ الحديث، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، يقدم أمثلة عديدة على أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق النتائج السياسية المرجوة.
الصمود بوصفه شكلاً من أشكال الإنتصار
واحدة من أكثر الأفكار إثارة للإهتمام في المقال تتمثل في إعادة تعريف مفهوم الإنتصار.
ففي الحروب التقليدية غالبًا ما يقاس النجاح بالسيطرة على الأرض أو تدمير قدرات الخصم. أما في الصراعات غير المتكافئة، فإن مجرد البقاء قد يتحول إلى إنجاز سياسي.
ومن هذا المنطلق يرى بنائي أن إيران، رغم الخسائر الإقتصادية والعسكرية الكبيرة، إستطاعت أن تحقق هدفًا أساسيًا يتمثل في الحفاظ على النظام السياسي ومنع خصومها من فرض تغيير جذري عليها.
لا يقدم الكاتب إيران بوصفها قوة منتصرة، لكنه يرفض أيضًا إعتبارها مهزومة. وبدلاً من ذلك يصفها كدولة خرجت من الحرب وهي لا تزال تحتفظ بأدوات نفوذ مهمة، وتملك القدرة على الإستمرار في التفاوض والمساومة.
وهنا يبرز ما يعتبره بنائي أحد أهم دروس الحرب: أن قدرة الدول على التحمل والصمود قد تكون أحيانًا أكثر أهمية من حجم القوة التي تمتلكها.
مضيق هرمز والورقة الجديدة
يرى بنائي أن أحد أبرز التحولات التي كشفتها الحرب يتمثل في الأهمية المتزايدة لمضيق هرمز.
فخلال المواجهة أثبتت إيران أن قدرتها على التأثير في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة لا تزال تمثل عنصر قوة حقيقيًا.
صحيح أن هذه الورقة لا تمنح طهران سيطرة كاملة على الإقتصاد العالمي، لكنها توفر لها وسيلة ضغط فعالة تجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيدًا بالنسبة لخصومها.
ومن وجهة نظر الكاتب، فإن هذا الواقع يمنح إيران موقعًا تفاوضيًا أفضل مما كان عليه قبل الحرب، خصوصًا في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالبرنامج النووي أو بالعقوبات الإقتصادية.
إيران وفن إدارة الجمود
ربما تكون الفكرة الأكثر أصالة في مقال بنائي هي وصف الجمهورية الإسلامية بأنها «خبيرة في إدارة الجمود».
فمنذ قيام النظام عام 1979، نجحت طهران في المحافظة على توازن دقيق بين التصعيد والتهدئة.
لم تتخلَّ عن خطابها الثوري بالكامل، لكنها تجنبت في معظم الأحيان الإنزلاق إلى مواجهة شاملة تهدد بقاء النظام. ولم تتوصل إلى مصالحة مع الولايات المتحدة، لكنها تمكنت من التعايش مع حالة العداء المزمنة.
ويرى الكاتب أن هذه القدرة على البقاء داخل منطقة وسطى بين الحرب والسلام شكلت أحد أسرار إستمرارية النظام طوال عقود.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أقل إرتياحًا لهذا النوع من التوازنات. فواشنطن إعتادت التفكير بمنطق الحسم أو التغيير أو إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية، بينما تقوم المقاربة الإيرانية على الصبر الطويل وإدارة التناقضات.
من إستراتيجية الهزيمة إلى إستراتيجية الإدارة
إستنادًا إلى هذه القراءة، يدعو بنائي إلى مراجعة جوهرية للسياسة الأميركية.
فبدلاً من البحث المستمر عن «هزيمة إيران»، يقترح التركيز على «إدارة العلاقة مع إيران».
ويعني ذلك، وفق منطقه، الإنتقال من التفكير في تغيير الواقع بالكامل إلى التفكير في كيفية إحتوائه وتقليل مخاطره.
في الملف الإقليمي، يرى الكاتب أن إحتواء النفوذ الإيراني يمكن أن يتم من خلال تعزيز قدرات الردع لدى الحلفاء الإقليميين، وتطوير الشراكات الأمنية، وتشجيع مسارات التعاون الإقتصادي التي تخفف من إحتمالات التصعيد.
أما في الملف النووي، فيعتبر أن التسوية التفاوضية تظل الخيار الأكثر واقعية، لأن البدائل العسكرية أثبتت محدوديتها، ولأن لدى إيران نفسها مصلحة في الحصول على تخفيف للعقوبات وضمانات إقتصادية طويلة الأمد.
إسرائيل والعقدة الأصعب
لا يغفل بنائي العامل الإسرائيلي، بل يعتبره أحد أكثر العناصر تعقيدًا في أي إستراتيجية مستقبلية.
فإسرائيل تنظر إلى إيران بإعتبارها تهديدًا وجوديًا، وترى أن أي تسوية لا تؤدي إلى إنهاء الخطر النووي بشكل كامل تظل غير كافية.
لذلك يتوقع الكاتب إستمرار التوتر بين الرؤية الأميركية القائمة على إدارة التوازن، والرؤية الإسرائيلية التي تميل إلى منع إيران من إكتساب أي قدرة إستراتيجية إضافية.
ومن هنا يدعو إلى إستخدام أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع تقديم ضمانات أمنية للحفاظ على تماسك التحالف بين واشنطن وتل أبيب.
هل يكفي الإعتراف بالجمود؟
ورغم التماسك النسبي لأطروحة بنائي، فإنها تثير أسئلة مهمة.
فهل يمكن فعلًا تحويل الجمود إلى حالة مستقرة طويلة الأمد؟ وهل تقبل الولايات المتحدة بوجود إيران تمتلك قدرات نووية كامنة على حدود العتبة النووية؟ وهل يؤدي منح طهران وقتًا ومساحة للمناورة إلى زيادة الإستقرار أم إلى تعزيز قدراتها مستقبلاً؟
كما أن الرهان على الردع المتبادل يفترض وجود حسابات عقلانية لدى جميع الأطراف، وهو إفتراض قد يصبح أكثر هشاشة في منطقة تعج بالأزمات والصراعات والفاعلين غير الحكوميين.
ومع ذلك، تبقى مساهمة بناي مهمة لأنها تدعو إلى مواجهة الواقع كما هو، لا كما يرغب صناع القرار في أن يكون.
خاتمة: نهاية أوهام الحسم؟
في جوهر مقاله، لا يدافع حسين بنائي عن إيران، ولا يهاجم الولايات المتحدة، بل يحاول تفسير ما يراه نتيجة طبيعية لتوازن القوى القائم في الشرق الأوسط.
فالحرب، بحسب قراءته، لم تؤد إلى إنهيار النظام الإيراني، ولم تمنح واشنطن إنتصارًا إستراتيجيًا حاسمًا. وبدلاً من ذلك أعادت الطرفين إلى نقطة أقرب إلى التوازن منها إلى الحسم.
ومن هنا يصل إلى إستنتاجه الأساسي: أن مستقبل العلاقة الأميركية الإيرانية لن يُبنى على فكرة الإنتصار النهائي لطرف على آخر، بل على إدارة صراع طويل ومعقد ضمن حدود تمنع إنفجاره إلى حرب شاملة جديدة.
قد لا يكون هذا السيناريو مثيرًا أو بطوليًا، لكنه في نظر الكاتب يمثل الخيار الأكثر واقعية في منطقة أثبتت مرارًا أن السعي إلى الحسم الكامل كثيرًا ما يقود إلى حروب جديدة، بينما يظل التوازن، مهما بدا هشًا، أكثر قدرة على البقاء.
*****
حسين بنائي Hussein Banai
أكاديمي أميركي، ايراني الأصل، متخصص في العلاقات الدولية، يشغل منصب أستاذ مشارك للدراسات الدولية في جامعة إنديانا. تركز أبحاثه على السياسة الخارجية الأميركية والعلاقات الأميركية الإيرانية والهوية الوطنية في السياسة الدولية. وهو أحد مؤلفي كتاب «جمهوريات الأسطورة: السرديات الوطنية والصراع الأميركي الإيراني»، ويُعرف بكتاباته التي تمزج بين التحليل التاريخي والواقعية السياسية في تفسير النزاعات الدولية.