|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2026 / 8 / 7
لقد زلزلت الثوابت والأعراف وصار الأمان حلمًا، وقد تفوز بساعات من الاطمئنان خلال سنة منقعة بالمرارة. فأنت مبتلى بشحاذين يطرقون لحظة غفوتك ظهراً بالعصي، وبما يجاورك من توتر الركاب في عجلة أو بسائقها الذي يقود وهو يتلفن وأنت تتلو الأدعية والآيات لتنجو. ويتحرك قلقك وأنت على الضفاف وفي المنتزهات وفي اللقاءات الحميمية مع امرأة. وقد تداهمك المفزعات حين تشاهد الشاشة حيث تزال مدن بلحظات ويلهث الناس بحثاً عن قطعة رغيف. يتناساك المقربون حتى تربطهم حاجة لهم معك، وهم يحاولون التواصل بصباحات باردة يرسلونها، ويفزعك الحزن الأعمق بلا سبب. وأنت شاهدت الرؤوس لصبايا وشبان ينحرون بلا ذنب، وعادت إليك العصبية القبلية وذقت ثانية سم الصراع الطائفي وفتنتك أقنعة الدين وطقوسه المبتكرة.
لقد مضى عهد الانقلابات فلست بطامح أن تسمع ببيان رقم واحد، وتسربت من يديك الأيام فلست تدري كيف انقضت العهود حتى أفزعك المبيّض من القذال في المرآة. وحين تغطس فيك وأنت على صخرة ضفة ساكنة لا تتعرف إلى ذاتك وتظل غريباً عنك، فإذا هربت للنوم داهمتك الحروب والجن والوحوش. كنا كلما التقينا بمنزل أو مقهى يندلع الحوار والجدل، الآن نضيع عن أنفسنا في أنفسنا كلما مر لقاء، وكما يقول الشاعر: "فنحن سكوت والهوى يتكلم"، فقط استبدل الهوى بالموبايل... نافذة الأرواح ومعتقلها.
لقاءان مرا بي خلال أسبوع مع صديقين مقربين، وبعد مرحباً وأهلاً تحجرت الكلمات وانسكب كلٌّ في جواله وفرّ الإنسان من الإنسان. كنت محرجاً أمام أحدهما وفكرت أن أطلق مختزل الكلمات مراعاة لآداب الضيافة والأعراف، فسألته عن صغاره فأجاب دون أن يرفع رأسه: "هم بخير"، واحتلنا الصمت ثانية، فماذا أفعل غير أن أغطس في هاتفي أيضاً؟ هكذا مرت ساعة تكلست فيها الكلمات حتى ساعة الوداع فقلنا لبعضنا وداعاً وانتهى كل شيء.
هنا تذكرت الشاعر الفرنسي بريفير (1900 – 1977) وهو يصف الجفاء الإنساني كنكبة إنسانية لا علاج لها:
صب القهوة في فنجان
ثم أضاف الحليب ووضع قطعة سكر في الفنجان
وحركه بملعقة صغيرة
دون أن يكلمني
ثم أشعل سيجارة وأخذ نفساً وترك الدخان يخرج من فمه كدوائر
نفض رماد السيجارة في المنفضة
ودون أن يكلمني ودون أن يراني أو ينظر إلي نهض ووضع قبعته على رأسه
ثم ارتدى معطفه الواقي من المطر لأن السماء كانت تمطر دون أن يكلمني ودون أن يلتفت نحوي
عندها أمسكت رأسي بين يديّ
ورحت أجهش بالبكاء.
الصياد حسن سعيد
نقد وتقييم النص
تتجلى في هذا المقال تجربة قرائية وجدانية وشائقة، تشكل صرخة ناعمة ضد الاغتراب الحديث والجفاف الإنساني المتزايد تحت سطوة التكنولوجيا وتراكم الصدمات الجمعية. تكمن القوة الأساسية للمقال في بنائه الدرامي المتقن؛ إذ لم ينطلق الكاتب مباشرة لنقد استخدام الهواتف المحمولة، بل مهد لذلك ببراعة عبر التعبير عن حالة الإنهاك النفسي اليومي للمواطن بين قلق العيش والحروب والاضطرابات، مما يجعل القارئ يتفهم دوافع الهروب للشاشات كملجأ من واقع ثقيل.
كما يمتلك النص ثراءً لغوياً وتكثيفاً شعرياً جلياً في صور مثل "سنة منقعة بالمرارة" و"تكلست فيها الكلمات" و"نافذة الأرواح ومعتقلها". ويُحسب للكاتب توظيفه الذكي للتناص الأدبي، سواء بتحوير الشواهد الشعرية أو باستدعاء قصيدة الشاعر الفرنسي جاك بريفير، وهو ما منح النص عمقاً إنسانياً وحضارياً يثبت أن صدمة الجفاء الإنساني هي وجع عابر للزمان والمكان.
يتميز النص بقوة الفكرة والعمق للقدرة على ملامسة وجدان القارئ ومعالجة قضية معاصرة ببعد فلسفي، إلى جانب جزالة اللغة والأسلوب بفضل المفردات المنتقاة بعناية. ويمتد هذا النجاح ليصل إلى مستوى الأثر والتأثير، حيث يترك الختام الاستشهادي انطباعاً عميقاً يرسخ فكرة المقال في ذهن القارئ. وفي المجمل، يُعد هذا النص مقالة أدبية وجدانية رفيعة المستوى، صِيغت بحس إنساني مرهف تجاه تحولات السلوك البشري في عصر العزلة الرقمية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |