|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 8 / 7
ثمة أيام لا يعلنها التقويم، بل تعلنها حركة الثكنات، واستنفار الجنود، والوجوه التي تقرأ المستقبل بقلق. فحين تُوجَّه إنذارات إلى القطعات العسكرية، لا يعود الحدث مجرد إجراء أمني، بل يتحول إلى رسالة سياسية تقول إن البلاد دخلت مساحة تتطلب أعلى درجات اليقظة، وإن الدولة تستشعر احتمالات تستوجب الاستعداد، مهما كانت أسبابها المباشرة.
وفي هذا السياق، يأتي الحديث المتصاعد عن ملف حصر السلاح بيد الدولة، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في العراق. فلا توجد دولة حديثة تستطيع أن تؤسس لسيادة مستقرة إذا بقي قرار القوة موزعًا بين مؤسساتها الرسمية وبين تشكيلات مسلحة تعمل خارج التسلسل القيادي للدولة. فالقانون لا ينافس البندقية، بل يجب أن يكون هو الذي يمنحها شرعيتها ويحدد حدود استخدامها.
إن مهمة الحكومة العراقية في معالجة هذا الملف ستكون شاقة وخطيرة، لأن القضية لا تتعلق بجمع السلاح فحسب، وإنما بإعادة بناء ميزان السلطة على أساس الدستور. ويرى كثير من المراقبين أن بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية تمثل جزءًا من شبكة نفوذ تتجاوز الحدود العراقية، ولذلك فإن أي تغيير جوهري في هذا الملف قد تكون له انعكاسات إقليمية واسعة، وقد يواجه محاولات للتأثير في مساره حفاظًا على المصالح القائمة. لكن طبيعة تلك التطورات ومآلاتها تبقى رهينة الوقائع، ولا يمكن الجزم بها مسبقًا.
إن إنذار القطعات العسكرية، إذا كان مرتبطًا بالاستعداد لأي طارئ، يذكّر بحقيقة فلسفية قديمة: الدولة التي لا تستعد للأزمات تفاجئها الأزمات. غير أن الاستعداد العسكري وحده لا يصنع الحل، لأن الأوطان لا تُدار بمنطق التعبئة الدائمة، بل بمنطق بناء الثقة والمؤسسات.
الخطأ الأكبر أن يُدفع العراق إلى مواجهة داخلية يدفع ثمنها المواطن قبل الجميع. فالرصاصة التي تُطلق في شارع عراقي لا تنتصر لطرف، بل تهزم الدولة كلها. ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يكون الحوار والقانون والإجراءات الدستورية هي الطريق الأول، مع بقاء مؤسسات الدولة مستعدة لحماية النظام العام وفرض القانون إذا استنفدت الوسائل السلمية، وفي إطار الدستور.
المعالجة تبدأ بإطلاق مشروع وطني حقيقي لحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز استقلال القضاء، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وتطوير المؤسسات الأمنية على أساس الكفاءة، وفتح مسارات قانونية لإعادة دمج من تنطبق عليهم الشروط في مؤسسات الدولة، إلى جانب انتهاج سياسة خارجية متوازنة تُجنب العراق أن يكون ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
العراق لا يحتاج إلى انتصار جماعة على أخرى، بل إلى انتصار الدولة على منطق ازدواجية السلطة. فكل تأخير في حسم هذا الملف يطيل عمر القلق، ويؤجل الاستثمار، ويُبقي المواطن أسير السؤال ذاته: من يحكم، القانون أم القوة؟
إن الإنذار العسكري قد ينتهي بانتهاء الظرف الذي استدعى إعلانه، أما الإنذار الحقيقي فهو ذلك الذي يوجهه التاريخ إلى العراقيين جميعًا: لا مستقبل لدولة يتعدد فيها السلاح والقرار، ولا استقرار لوطن تتقاسم سيادته الإرادات. وحدها الدولة الدستورية، العادلة، القادرة على احتكار القوة المشروعة، تستطيع أن تفتح للعراق بابًا نحو الاستقرار الذي يستحقه شعبه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |