رواية «أغنية هادئة»: أبشع الفجائع ما تنمو بالتدريج

كاظم حسن سعيد
2026 / 8 / 6

​ولدت الكاتبة المغربية الفرنسية ليلى سليماني في الرباط عام 1981، وتنقلت في مسارها بين الصحافة والأدب الحاد والعميق. شَكَّلَت روايتها «أغنية هادئة» المحطة الأبرز في مسيرتها الأدبية؛ إذ حصدت عنها جائزة غونكور المرموقة عام 2016، لتتحول الكاتبة بعدها إلى واحدة من أهم الأصوات الفرنكوفونية المعاصرة وممثلة رسمية للثقافة واللغة الفرنسية.
​تبدأ الرواية بنهاية الفاجعة: مقتل طفلين (ميلا وآدم) على يد مربيتهما "لويز"، ومحاولة المربية الانتحار. لا تعتمد الكاتبة على عنصر المفاجأة بشأن "من المجرم؟"، بل تضع المأساة في السطر الأول لتصرف انتباه القارئ تماماً نحو السؤال الأعمق: كيف ولماذا وصلت امرأة تبدو مثالية إلى هذه اللحظة؟
​تعدو الأحداث إلى الوراء؛ "ميريام" وميلها للعودة إلى ممارستها لمهنة المحاماة بعد سنوات من الأمومة والمكوث في البيت، وزوجها "بول" المشغول في عمله. يقرران استئجار مربية للأطفال. تظهر "لويز"، وهي امرأة أربعينية، مهندمة، هادئة، ومتفانية بشكل مذهل. تحول البيت إلى جنة دافئة، وتكسب حب الأطفال واعتماد الزوجين الكامل عليها.
​تدريجياً، يتحول تفاني "لويز" إلى حالة من الالتصاق المرضي. تعيش لويز في واقع مادي ونفسي مأساوي خارج هذا البيت؛ ديون متراكمة، عزلة قاتلة، وابنة مراهقة هربت منها. يصبح بيت العائلة هو معقلها الوحيد وشغفها المريض، وتتولّد لديها رغبة عارمة في أن تكون "ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها".
​مع كبر الأطفال واقتراب ذهابهم للمدرسة، تشعر لويز بتهديد وجودي؛ إن استغنى عنها الأبوان فستعود إلى "قاعها" المظلم. تتسلل إلى رأسها أفكار سوداوية، ويتحول الحنان المفرط إلى اضطراب حاد وشرخ نفسي يتفاقم في ظل تجاهل غير مقصود من العائلة لعلامات الانهيار الداخلي التي تمر بها المربية، حتى تصل الأحداث إلى الذروة المأساوية.
​إن "أغنية هادئة" ليست مجرد رواية عن جريمة منزلية، بل هي مرآة كابوسية تعكس هشاشة العلاقات الحديثة، وتفضح الفجوة العميقة بين ظاهر الاستقرار البرجوازي والباطن المظلم للوحدة الإنسانية. لقد نجحت ليلى سليماني في أن تجعل من هذا النص حفراً سيكولوجياً يثبت أن أشد الفجائع خطراً هي تلك التي تنمو بالتدريج خلف الابتسامات الوديعة والتفاصيل اليومية الأشد هدوءاً.