المكان بوصفه نسقًا دلاليًا: مقاربة سيميائية في الخطاب السردي

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 8 / 6

الأماكن كالأشخاص؛ مليئة بالأسرار، فهي شاهدة على تاريخ وحكايات لا حصر لها. لذلك لا نرى المكان مجرد فضاء مفتوح أو مغلق، وإنما نراه لوحةً نحتها الزمن بعناية، لتظل شاهدة على إنتاج معرفي وثقافي يتجدد مع تعدد القراءات واختلاف زوايا النظر إليه، يقول غاستون باشلار نعتقد أننا نعرف أنفسنا من خلال الزمن، في حين أن كل ما نعرفه هو تتابع تثبيتات في أماكن استقرار الكائن الإنساني الذي يرفض الذوبان، والذي يود حتى في الماضي -حيث يبدأ البحث عن أحداث سابقة- أن يمسك بحركة الزمن ، ومن هنا فإن المكان في العمل الروائي لا يقتصر على ذكر مواضع أو تحديد مواقع جغرافية، بل يتحول إلى عنصر حي يحمل آثار الحضارات والثقافات التي تعاقبت عليه، وهو ما يجعل دراسته جزءاً أساسياً من دراسة تقنيات السرد.
وفي هذا السياق تقول سيزا قاسم: " وإذا كانت الرواية في المقام الأول فنًا زمانيًا يضاهي الموسيقي، في بعض تكويناتها ويخضع لمقاييس مثل الإيقاع ودرجة السرعة، فإنها من جانب آخر تشبه الفنون التشكيلية من رسم ونحت في تشكيلها للمكان".( )
فالمكان هو الفضاء الذي تتشكل فيه الأحداث، وتقع داخله الوقائع، ولا يمكن تصور زمن روائي منفصل عن إطار مكاني يحتضنه" فهو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم أو ينفذ فيه أبعاده "( ).
يقول باختين :" "ما يحدث في الزمكان الفني الأدبي، هو انصهار علاقات المكان والزمان في كل واحد مدرك ومشخص. الزمان هنا يتكثف ،يتراص ،يصبح شيئا فنيا مرئيا، والمكان أيضا يتكثف..."
وقد يكون هذا الفضاء مفتوحاً كالصحراء والبحار، أو مغلقاً كالقصور والمباني، إلا أن كلا النوعين يحمل دلالات ثقافية وحضارية تتجاوز حدوده المادية.
يقول حسن بحراوي :" إن المكان ليس عنصراً زائداً فى الرواية، فهو يتخذ أشكالاً ويتضمن معانى عديدة، بل إنه قد يكون فى بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله"
وعند تحليل البنية المكانية في السرد العربي نجد أن المكان يستمد دلالته مما يجري فيه؛ فالمكان في العمل الأدبي يختلف عن المكان في الحياة اليومية، كما تختلف دلالات المنزل عن الشارع، والسفر عن الإقامة. كذلك تؤثر الجغرافيا في تشكيل الفضاء السردي، فهناك أماكن ترتبط بالفرح، وأخرى تستدعي الحزن والحنين، وقد يكون المكان ملاذاً آمناً لشخص، وسجناً لآخر، وهو ذاته موضع اللقاء والفراق. ولعل هذا ما يفسر وقوف الشاعر الجاهلي على الأطلال، إذ لم يكن يبكي حجارةً صامتة، وإنما كان يستحضر تاريخاً من المشاعر والذكريات ارتبط بذلك المكان.
يقول سعيد يقطين:" إن المكان ليس محايدا أو ساكنا، بل هو بناء لغوي تتولّد منه الدالالت، ويُعبّر عن تصوّر العالم من خلل اللغة، لأن كل مكان في السرد يُعاد خلقه عبر الخطاب لا عبر الجغرافيا"
وانطلاقاً من هذا الفهم، لا يبقى الحديث عن المكان مجرد تنظير نقدي، بل يتحول إلى تجربة إنسانية معاشة، وهو ما أدركته بوضوح خلال رحلتي إلى ماليزيا في الأول من يناير عام 2016م. فقد كان الانتقال من جغرافيا شمال أفريقيا إلى جغرافيا جنوب شرق آسيا انتقالاً بين فضاءين مختلفين في التاريخ والثقافة والعادات واللغة وأنماط الحياة.
منذ لحظة الوصول إلى المطار شعرت بأن المكان يتحدث بلغته الخاصة؛ فتنظيم المدن، واتساع الطرق، والطبيعة الخضراء، والأجواء المطيرة، كلها عناصر منحت المكان شخصية مميزة. وكانت الرحلات بين الولايات المختلفة تكشف في كل مرة وجهاً جديداً للمشهد المكاني، حتى بدا المكان وكأنه يحاور الزائر ويكشف له شيئاً من أسراره.
وكانت زيارة برجي بتروناس من أكثر اللحظات دلالة؛ فهما لا يمثلان مجرد معلم معماري، بل يجسدان قدرة الإنسان على تحويل المكان إلى رمز حضاري يعكس الطموح والتقدم، ويبعث في النفس شعوراً بالأمل والثقة بالمستقبل.
إن الأماكن، العامة منها والخاصة، ليست مجرد مواقع جغرافية، بل علامات سيميائية تحمل إشارات إلى منظومات القيم والثقافة وأنماط التفكير. فكثيراً ما نستطيع قراءة أحوال المجتمعات من خلال عمرانها، وتنظيم فضائها، وطريقة تعاملها مع المكان، دون الحاجة إلى كثير من الشرح أو السؤال. ولهذا يغدو المكان شاهداً صامتاً على الحقيقة والزيف، وعلى الوعي واللاوعي، وعلى ما تخفيه المجتمعات وما تعلنه.
ولعل من أكثر المشاهد تأثيراً وقوفي على مضيق ملقا؛ فقد منحني المكان شعوراً مركباً يجمع بين رهبة التاريخ واتساع الجغرافيا، وبين الحنين إلى الماضي والتأمل في حركة الحضارات التي عبرت هذا المضيق عبر القرون. عندها أدركت أن المكان قد يكون أبلغ من الكلمات إذا أحسن الإنسان الإصغاء إلى ما يختزنه من دلالات.
وتدعو هذه المؤشرات جميعها إلى النظر إلى المكان بوصفه موضوعاً جديراً بالتأمل والدراسة، ولا سيما في التجربة الماليزية التي يمتزج فيها التقدم بالتنوع الثقافي والعرقي، وتتداخل فيها الطبيعة مع العمران بصورة لافتة. ومن هنا يغدو المكان جزءاً أصيلاً من بنية العمل السردي، لا مجرد إطار خارجي للأحداث؛ إذ يعد " جزء من الأحداث، يؤدي بالقارئ إلى الإحساس بوَحدَة العمل وكليته؛ ومن هنا لا يكون المكان زخرفة جمالية أو إطارًا خارجيًا، وإنما عنصرًا مؤثرًا يحمل أبعادًا وتفاصيل، ودلالاتٍ متعددةً، يكسب العمل فنية عالية".( ).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن