|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمود عباس
2026 / 8 / 6
بعد الحرب الأولى، وما تلاها من معارك امتدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية وصولًا إلى موجات القصف الجديدة، لا أرى أن ما يجري مجرد جولات متقطعة من التصعيد والتهدئة، بل بداية انتقال إلى مرحلة مختلفة في التعامل الأمريكي مع إيران. فالمشهد، في تقديري، أكبر من ضربة وردّ، وأبعد من مفاوضات تُفتح ثم تُغلق. ثمة محاولة لإعادة صياغة موقع إيران ووظيفتها الإقليمية، لا مجرد ضبط برنامجها النووي.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو قمة الناتو في تركيا منفصلة تمامًا عن التحولات الأوسع التي أعقبت المواجهة، ولا تبدو الحركة الدبلوماسية الجارية مجرد بحث عن وقف للنار. فما يظهر اليوم قد لا يكون سوى طور ثانٍ، يسبق طورًا ثالثًا أكثر خطورة، يمكن أن تصبح فيه الجغرافيا نفسها جزءًا من الصراع: مضيق هرمز، وممرات الطاقة، ومراكز النفط والغاز، والسواحل والمواقع القادرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة في الخليج.
وتقوم الخطة الجديدة على إبعاد إسرائيل، باتفاق مشترك، عن واجهة الحرب، وحصر دورها في ضرب بعض الأذرع الإيرانية، مقابل الدفع بدول الخليج وبعض دول الناتو إلى قلب المواجهة، مع تحييد أكبر عدد ممكن من الدول الأخرى.
إنها ليست مجرد إعادة توزيع للأدوار، بل عملية بناء لتحالف دولي واسع يعيد إلى الأذهان سيناريو العراق، ولا سيما مع الحديث عن التعامل مع الجيش الإسرائيلي بوصفه قوة أمريكية متقدمة في المنطقة.
وفي المقابل، ستقاتل إيران بكل ما تملك لتحويل المنطقة بأكملها، ولا سيما دول الخليج، إلى مسرح للنار والفوضى، وتكرار النموذج السوري الذي شاركت في صنع مأساته، حين سخّرت ميليشياتها وأموالها وسلاحها لحماية النظام المجرم البائد، ولو على أنقاض سوريا ودماء شعبها.
لم يعد أمام إيران متسع واسع للمناورة: إما قبول الشروط الأمريكية في المفاوضات، مع الاحتفاظ ببعض البنود التي تحفظ لها ما تبقى من مصالحها، وإما مواجهة نهاية دولة «ولاية الفقيه»، وانهيار مشروع تصدير الثورة وأذرع ما يسمى بـ«المقاومة».
وقد لا يسقط النظام الإيراني دفعة واحدة، لكنه قد يُجرَّد من قوته، ويُحاصر، ويُترك هزيلًا يتآكل من الداخل.
فلم تعد واشنطن تسعى، في هذه المرحلة، إلى إسقاط النظام الإيراني بضربة واحدة، بقدر ما تسعى إلى تغيير قواعد بقائه، نزع قدرته النووية العسكرية، تقليص قدرته على التحكم بالممرات والطاقة، إضعاف أذرعه الإقليمية، وإبقائه تحت ضغط اقتصادي وعسكري يسمح بإعادته إلى الحصار كلما تجاوز الحدود المتفق عليها. وفي المقابل، قد تقبل طهران بتنازلات كانت تعدّها قبل أشهر مستحيلة، لا لأنها غيّرت عقيدتها، بل لأن المحافظة على نظام ولاية الفقيه أصبحت بالنسبة إليها الهدف الأعلى. وهنا قد تتحول المعادلة من «الرضوخ أو الزوال» إلى صيغة أكثر تعقيدًا، التراجع من أجل البقاء، أو رفض التراجع والدخول في استنزاف قد يقود في النهاية إلى الزوال، ويلقى مصير نظامَي الأسد وصدام حسين والبعث البائد؛ أنظمةٌ ظنّت أن قبضتها وعقيدتها ستمنحانها الخلود، فإذا بها تنهار في النهاية تحت أنقاض مشاريعها نفسها.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
29/7/2026 م
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |