بوليسي ..

عزيز باكوش
2026 / 8 / 5

صعد إلى الحافلة رجل وامرأة، وبينهما طفل في العاشرة من عمره، بدا كأنه يمسك بيديهما معا أكثر مما يمسكان به. كان الرجل خمسيني على وجه المعيار يرتدي عباءة سوداء واسعة، تسبقه إلى الحافلة هيبةٌ حاول أن يصنعها بملامحه، وبابتسامة جاهزة ألفها كلما صعد وسيلة نقل أو وقف أمام غريب.
وما إن بلغ عتبة باب الحافلة حتى ألقى ابتسامته المعتادة، وقال شيئا وهو يعرّف بنفسه. لكن المرأة المكلفة ببيع التذاكر لم تكلف نفسها حتى عناء النظر إليه. كانت ضخمة الجثة، واقفة وراء جهاز التذاكر وخانات الصرف. تحتل من المكان ما يكاد يحجب الباب الهيدروليكي للحافلة، ذلك الباب الذي كان يفتح ويغلق ببطء، مطلقا زفيرا معدنيا متقطعا يشبه أنين دبابة صدئة تستعيد أنفاسها بعد معركة طويلة.

توقف الرجل لحظة. كان ينتظر أن تحدث كلمته أثرا. لم يحدث شيء. نظر إلى المكلفة، ثم إلى السائق، ثم أعاد ابتسامته إلى وجهه، كأن شيئا لم يكن. اقترب قليلًا من السائق الملتحي، وانحنى نحوه هامسًا: — بوليسي!
قالها هذه المرة بنبرة أوضح، وكأنه كشف كلمة السر.
رفع السائق عينيه إليه. قرأ في ملامحه شيئا من الجدية، ثم فهم أن الرجل يريد أن يقول إن صفته - بوليسي - تخوله تجاوز ما يطلبه الآخرون. لكن السائق ظل متشبثا بمقود الحافلة، وكأن المقود في تلك اللحظة صار أكثر أهمية من صاحب العباءة. كان يعرف تعليمات الشركة جيدا. لا أحد يصعد بلا تذكرة.
وسرعان ما أومأ برأسه يمينا ويسارا، ثم ألقى نظرة قصيرة على المكلفة التي فهمت الإشارة. قطبت حاجبيها، وقالت للرجل صاحب العباءة ببرود لا يحتاج إلى شرح «التذاكر… لابد" عاد الرجل إلى ابتسامته.
كانت ابتسامة غريبة هذه المرة صفراء، ثابتة، كأنها لم تعد تعبيرا عن الرضا بقدر ما أصبحت وسيلة لإخفاء شيء آخر. قال مرة ثانية، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة لفهم مقامه:
— قلت لك… بوليسي.
لكن المرأة لم تتحرك. — التذاكر! قالتها بحزم أكبر.
ساد صمت قصير، ذلك النوع من الصمت الذي يكشف فجأة أن الجميع متساوون أمام تفصيل صغير لا قيمة له في الظاهر، لكنه يصبح في لحظة ما قانونا لا يمكن القفز فوقه.
أدخل الرجل يده في جيب عباءته السوداء، وأخرج قطعة نقدية. ظل مبتسمًا. دفعها إلى المكلفة، فتناولتها دون أن يتغير شيء في وجهها، ثم ناولته تذكرتين. أمسك الرجل التذكرتين، وتأملهما لحظة قصيرة، قبل أن يضعهما في يده بحذر، كما لو أنه تسلم وثيقتين تثبتان شيئا أكبر من مجرد حقه في الجلوس داخل الحافلة. ثم تقدم في الممر الضيق. كانت ابتسامته لا تزال معلقة على وجهه. ابتسامة رجل دخل الحافلة بصفة، وصعدها بتعريف وانتهى به الأمر إلى مغادرتها… بتذكرة.
أما الطفل، فكان يمشي بين الرجل والمرأة صامتا، يلتفت مرة إلى أبيه، ومرة إلى السائق، ومرة إلى المرأة الضخمة التي لم تبدُ معنية بكل ذلك.
ولعل الطفل وحده لم يكن يعرف بعد أن العالم الذي سيكبر فيه قد يعلّمه، في وقت مبكر أن بعض الألقاب لا تفتح الأبواب، وأن بعض الأبواب لا تعترف إلا بالتذكرة.
عزيز باكوش القنيطرة 3 غشت 2026

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن