كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين(10). الصداقة مدفوعة الثمن غير مأمونة

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 8 / 5

في موضوع الشِّدَّةِ واللين، ينصح مكيافيلي الأمير بأن يوصف بالرحمة وليس الشِّدَّة، وبأن يحرص على عدم اساءة استخدام الرحمة بأي حال من الأحوال. فالشدة أحيانًا لا غنى عنها ليستتب النظام والأمن وضمان الولاء، وعلى الأمير ألا يعبأ بأن يوصف بالشدة، ما دامت من اجل الحفاظ على مواطنيه وضمان ولائهم له. وعندما يكون الأمير شديدًا مع عدد قليل من الناس، فإنه بذلك أفضل من أولئك الأمراء الذين يُفرِطون في اللين مما يسبب وقوع الإضطرابات وسفك الدم وحدوث النهب والسلب. فهذه أمور تتسبب بأضرار للكثيرين، أما تنفيذ أحكام الاعدام بعدد قليل من الناس فلن يؤذي أحدًا غيرهم.
الأمير حديث العهد بالإمارة فقط، هو في حاجة شديدة دون بقية الأمراء ليشتهر بالشِّدَّة. ومن المهم، بنظر مكيافيلي، أن يحذر الأمير حديث العهد بالإمارة الظهور بمظهر الرعديد الجبان. وعليه أن يتقدم إلى الأمام بحكمة ولين، بحيث لا تجعله الثقة الزائدة يهمل الحذر، وألا تجعله الريبة الزائدة غير مُحتمل. من هنا تظهر مشكلة المفاضلة بين أن يكون الأمير محبوبًا أكثر منه مهابًا، أو مهابًا أكثر منه محبوبًا. الصحيح، ينبغي أن يكون الإنسان محبوبًا ومهابًا في الوقت نفسه. يستطرد مكيافيلي في السياق فيضيف: ولما كان من الصعوبة الحفاظ على الصفتين معًا، فإن المهابة في هذه الحالة أفضل بكثير. فبمقدورنا القول عن عامة البشر أنهم يُنكرون المعروف، ويحبون المراوغة في الحديث ومراؤون، وحريصون على تجنب الخطر. راغبون دائمًا في الكسب. هم أعوانك طالما استفادوا منك، وهم يفدونك بالدم وبما يملكون وبحيواتهم وولدهم، حين لا يكون لذلك داعٍ. ولكن حين تقترب الأخطار ينقلبون عليك.
الأمير الذي يعتمد على وعود رعاياه يهلك، إلا إذا اتخذ احتياطاته. ذلك لأن الصداقة مدفوعة الثمن غير مأمونة، ولن تعمل لصالحك عند الضرورة. البشر يترددون في الإساءة إلى من يحبون أقل من ترددهم في إيذاء من يهابون. فالحب مشدود بسلسلة من الارتباطات التي تتفكك عندما تؤدي غرضها بسبب أنانية الناس، لكن الاعتماد على المهابة والخوف من العقاب مضمون النتائج.
ويواصل مكيافيلي في السياق، على الأمير أن يجعل نفسه مهابًا بطريقة تجعله يحصل على الحب ويتجنب الكراهية على أي حال، ذلك لأن المهابة وعدم وجود الكراهية يمكن أن يجتمعا معًا. على الأمير ألا يأمر بإعدام أي شخص إلا بعد التأكد من المبررات الكافية لذلك، ويوضح أسبابه. وعليه قبل كل شئ، ألا يستولي على أملاك غيره. فالإنسان قد ينسى موت أبيه بسهولة، لكنه لا ينسى ضياع ميراثه.
لا حاجة للأمير بإيجاد ذرائع اغتصاب مُلْكيات الغير، فمن يعِش على النهب سيجد دائمًا سببًا يغتصب به متاع الاخرين، بينما مسببات الإعدام أقل بكثير وتزول سريعًا.
وعندما يكون الأمير بين أفراد جيشه ومعه عدد كبير من الجنود فإنه يتحتم عليه أن يُعرف بالشِّدَّة، لأنه من دون هذه السُّمعة لن يحافظ على وحدة الجيش أو يؤدي أي مهمة. ويتخذ مكيافيلي من شدة هانيبال في هذا الجانب أنموذجًا يستحضره.
ويختم مكيافيلي حديثه في موضوع مهابة الأمير وحب الناس له بالقول، إن الناس يحبون بمحض إرادتهم الحُرة، لكنهم يخافون حسب رغبة الأمير. وعلى الأمير العاقل أن يعتمد على ما له من سُلطان، وأن يسعى لتجنب ما يُسبب له الكراهية المُدمِّرَة. (يتبع).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن