قراءة تحليلية تفكيكية لجزء من قصيدة الشاعر الدكتور عبد الكريم الحلو بقلم فاطمة الفلاحي

فاطمة الفلاحي
2026 / 8 / 5

الوجهُ الذي تركتُهُ هناك
د.عبدالكريم الحلو
(1)
أخافُ… أن ألتقي
بالصبيِّ الذي كنتُه
لا…
لأنَّ الأعوامَ
أبعدتْهُ عنّي،
بل لأنني،
كلما اقتربتُ من خطاه،
رأيتُ وجهي
ينسلُّ
من تحتِ وجهي.


الوجهُ الذي تركتُهُ هناك

لو تمعنا النظر في عبارة "الوجهُ الذي تركتُهُ هناك": أراها تحمل دلالات أدبية ومجازية عميقة تعتمد على السياق الذي وردت فيه، وهي تعبر غالباً عن الحنين، تبدل الأحوال، وفقدان جزء من الذات.
- لنسبر غور الوجوه المعنوية لهذه العبارة:
1. المظهر القديم والملامح السابقة تغير الملامح: قد تعني العبارة أن المتحدث تغيرت ملامحه الجسدية (بسبب المرض، التقدم في العمر، أو التعب)، فالوجه الذي تركه في الماضي أو في وطن غادره لم يعد هو نفسه الآن.
- البراءة والصفاء: الإشارة إلى ملامح الطفولة أو الشباب التي اتسمت بالبراءة والراحة، والتي فُقدت بسبب قسوة التجارب والظروف الجديدة.
2. الهوية والذات القديمة؛
- الحالة النفسية: تعبير عن شخصية المتحدث السابقة (النسخة المتفائلة، الهادئة، أو السعيدة من نفسه) التي بقيت محاصرة في مكان ما أو زمان مضى ولم تستطع الانتقال معه إلى الحاضر.
- فقدان الذات: الشعور بالاغتراب، حيث يشعر المرء أنه مجرد جسد في مكانه الحالي، بينما روحه وحقيقته (وجهه الحقيقي) تائهة في مكان آخر.
3. شخص آخر (الحبيب أو الصديق)؛ المجاز المرسل: استخدام كلمة "الوجه" للتعبير عن الذات أو الشخص كاملاً (كما جاء في لسان العرب وفروع معاجم اللغة العربية).
- الفراق: في هذه الحالة، تعني العبارة "الشخص العزيز الذي فارقته وتركته خلفي في ذلك المكان" وظل عالقاً في الذاكرة.
4. القناع الاجتماعي:
- التصنع ومواجهة الواقع: قد ترمز إلى قناع أو مظهر معين كان يرتديه الشخص للتعامل مع بيئة معينة، وعندما غادرها ترك هذا "الوجه" أو هذا الأسلوب هناك ليعود إلى طبيعته.


(1)
* أخافُ… أن ألتقي
بالصبيِّ الذي كنتُه
في هذا المقطع الشعري والذ يعبر عن الخوف من مواجهة الذات القديمة، وتقييم الطموحات، ومحاسبة النفس.
- نأتي لدلالات المعنى:
- الصبي القديم: يرمز إلى البراءة، والأحلام الكبيرة، والآمال التي كان يحملها الإنسان في طفولته.
- اللقاء المخيف: يُمثل شعور العجز أو الخجل عند مقارنة ما أصبح عليه الإنسان اليوم بما كان يتمنى أن يكون عليه في الماضي.
- خيبة الأمل: يعكس مرارة الفجوة بين أحلام الطفولة وواقع الكبار.


• لا…
لأنَّ الأعوامَ
أبعدتْهُ عنّي،
هنا عبارة الرفض المؤلم، والاعتراف بالعجز، والفجوة الزمنية. وهي تعبر عن استحالة العودة إلى الماضي أو استرجاع شخص غاب طويلاً.
ستلمسون الأبعاد الدلالية في الرفض (لا): بداية القول بقطع الأمل أو نفي إمكانية اللقاء.
الزمن (الأعوام أبعدته): تحول الزمن إلى حاجز مادي ومعنوي يفصل بين القلوب.
الفقد: الشعور بغياب الحضور وتلاشي القرب القديم.

• بل لأنني،
كلما اقتربتُ من خطاه،
رأيتُ وجهي
ينسلُّ
من تحتِ وجهي.

هذه الأسطر الشعرية تحمل عمقاً فلسفياً ونفسياً، وتعبّر عن أزمة الهوية، واكتشاف الذات، والتحول الداخلي نتيجة الاقتراب من شخص آخر (قد يكون الحبيب، أو القدوة، أو مرشدًا روحيًا).
سأستخدم تفكيكية جاك دريدا في هذه الأسطر لتفكيك المعنى وتفسيره:
1. المعنى العام للعبارة: فهي تصف حالة من التأثر الشديد بالآخر، لدرجة أن هذا الاقتراب يعيد تشكيل ذات الشاعر. عندما يقترب من خطوات هذا الشخص، لا يرى الآخر، بل يرى نفسه، ولكن بطريقة مغايرة وصادمة: يرى قناعاً أو وجهاً زائفاً يسقط ليظهر تحته وجهه الحقيقي.
2. الشرح التفصيلي للصور الفنية"كلما اقتربتُ من خطاه، رأيتُ وجهي": الاقتراب من هذا الشخص يعمل كمرآة. هذا الآخر ليس مجرد شخص عابر، بل هو دافع للمواجهة مع الذات.

• "ينسلُّ من تحتِ وجهي": كلمة (ينسلّ) تعني يخرج بخفية ونعومة.
• الصورة هنا تشير إلى وجود وجهين:
- الوجه الخارجي (السطحي): وهو القناع الذي يواجه به الشاعر العالم (الزيف، أو المجاملة، أو الدفاعات النفسية).
- الوجه الداخلي (العميق): وهو الذات الحقيقية، المشاعر العارية، أو الحقيقة التي كان يخفيها الشاعر حتى عن نفسه.


أما الأبعاد النفسية والفلسفية للقصيدة هو سقوط الأقنعة: الاقتراب من هذا الشخص يجرّد الشاعر من تزييفه اليومي ويجبره على رؤية حقيقته.
- التلاشي والذوبان: قد تعني أن الشاعر يفقد هويته القديمة ليولد من جديد تحت تأثير هذا القرب.
- المواجهة الصادمة: رؤية الوجه ينسل من تحت الوجه تعكس دهشة واغتراباً، حيث يكتشف الإنسان أن هناك "ذاتاً أخرى" تعيش بداخله لم يكن يعرفها.
• باختصار: البيت يجسد كيف يمكن للعلاقات العميقة والاقتراب من الآخرين أن يعيدوا تعريفنا لأنفسنا، ويسقطوا أقنعتنا ليظهروا حقيقتنا الخفية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن