العودة إلى السوفيات؟

زياد الزبيدي
2026 / 8 / 5

5 آب أغسطس 2026

قراءة في رؤية فيكتوريا يانتورينا لنظام الحكم في روسيا

في مشهد سياسي روسي يشهد تحولات متسارعة، تبرز أصوات تدعو إلى إعادة النظر في هيكلية السلطة ذاتها.
من بين هذه الأصوات، تطل الكاتبة والمؤرخة، فيكتوريا يانتورينا، من منصة "الاستوديو المفتوح" لتطرح رؤية جذرية: «العودة إلى النموذج السوفياتي كحل لأزمات الحكم والرقابة والتنمية.»

"الديمقراطية الحقيقية" في عيون الكاتبة

ترى يانتورينا أن النظام الحالي، الذي تصفه بـ"سلطة الليبراليين"، قد فرغ من مضمونه، وأن الحل يكمن في هيكل إداري جديد قائم على "الديمقراطية الحقيقية"، والتي تعني في مفهومها العودة إلى "النظام السوفياتي" .
في النص، تطرح الكاتبة سؤالاً جوهرياً حول شرعية العملية الإنتخابية، معتبرة أن الشباب يرفضون "التعبير عن الإرادة" في ظل غياب الشفافية وصعوبة مراقبة سير الإنتخابات، خاصة مع تدخل "التصويت الإلكتروني عن بعد" .

وتركز يانتورينا على فكرة القرب المادي والمعنوي بين الناخب ومن ينوب عنه. فهي ترفض فكرة النخبة "البعيدة"، وتؤكد أن المرشح الحقيقي يجب أن يأتي من الشعب، وأن يكون شخصاً نعمل معه في المصنع، أو نلتقيه في الطرقات والمتاجر. هذا الطرح يعكس حنيناً لنموذج المجالس (مجالس السوفيات) حيث يمثل العامل زملاءه في العمل، معتبرة أن هذا هو الضمان الوحيد للثقة بين الشعب وممثليه.

نحو نموذج إقتصادي وتنموي مغاير

لا تقف رؤية يانتورينا عند حدود النظام السياسي، بل تمتد لتشمل النسيج الإقتصادي والإجتماعي. تتبنى الكاتبة فكرة "النموذج الإجتماعي والتعبوي" ، الذي ترى أنه الخيار المتاح حالياً لروسيا. وتربط هذا النموذج بضرورة القيام بـ "التصنيع" وإستعادة المستوى التعليمي، في إشارة إلى ما إعتبرته "إنحطاطاً" خلال العقود الأخيرة .

وتشير في هذا السياق إلى قطاع الإسكان والخدمات المجتمعية، معتبرة أن تدهور المقاطعات الروسية خلال 35 عاماً جاء نتيجة تدمير نظام الإدارة البلدية في هذا القطاع، داعية إلى عودة سيطرة الدولة الكاملة عليه.

الرقابة بوصفها ضرورة... ولكن بشروط

أحد أكثر الطروحات إثارة للجدل في النص هو موقف يانتورينا من حرية المعلومات. فهي تدعو إلى "الرقابة" ، وتصفها بأنها ضرورية وقاسية، لكنها تشترط أن تكون في مصلحة المواطنين. هنا تقوم الكاتبة بتمييز دقيق بين مفهوم الرقابة الذي تطرحه، وما تراه موجوداً حالياً.

تنتقد القيود الحالية على إستخدام تطبيقات التراسل ومنع وصول فئات معينة، خاصة الشباب، إلى معلومات معينة. وتعتبر أن هذه الممارسات الحالية ليست في مصلحة المواطنين، وكأنها تلمح إلى أن الرقابة الحقيقية يجب أن تكون أداة لحماية الشعب لا أداة لحرمانه، وأن تكون واضحة وشفافة في أهدافها.

التحليل: بين الماضي والحاضر

تكشف تصريحات يانتورينا عن ظاهرة سياسية وإجتماعية أوسع في روسيا، وهي البحث عن نماذج بديلة في خضم التحولات العالمية. دعوتها ليست مجرد حنين للماضي، بل هي محاولة لصياغة هوية مستقبلية تقوم على أسس محلية (سوفياتية سابقاً) لمواجهة تحديات الحوكمة والإقتصاد.

من اللافت في طرحها أنها تحاول الفصل بين أدوات النظام السوفياتي وإيديولوجيته الإشتراكية الصارمة، مع التركيز على الجانب الإداري والرقابي والتنموي. الجدل الذي تثيره الكاتبة حول "الرقابة في مصلحة المواطنين" يفتح باباً للنقاش حول مفهوم السيادة المعلوماتية وحدود حرية التعبير، وهو نقاش لا يزال حيوياً في الفضاء السياسي الروسي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن