المقاس الأخير

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 4

1/ المقاس الأخير

قالت الموظفة في المدرسة: سنحتاج مقاس الحذاء الجديد لابنك في الفصل القادم،وضعت الأم الورقة في حقيبتها،بعد ساعة وصلها قرار الترحيل ،في المساء قاست قدم الطفل بخيط، ثم رمت الخيط في سلة المهملات،لم تعد المشكلة أن الحذاء سيضيق على قدمه،بل أن المستقبل نفسه لم يعد على مقاسه.

2/الراتب

وجدت وظيفة بعد سنوات من الانتظار وقّعت العقد صباحًا،وصلني قرار الترحيل ظهرًا،وفي المساء تلقيت رسالة من صاحب العمل:"نعتذر... نحتاج شخصًا يستطيع التخطيط للمستقبل."
ضحكت طويلًا،منذ سنوات، لم يعد المستقبل يحتاجني هو أيضًا.

3/ السرير

قال الطفل وهو يعانق سريره:هل سيأتي معنا؟
-قالت الأم: لا.
ـ والنافذة؟
ـ لا.
ـ وصديقي في العمارة؟
ـ لا.
أشار إلى الجدار الذي وضع عليه خطوطًا تقيس طوله كل سنة.
ـ وهذه؟
نزعت الأم الورقة من الحائط ووضعتها في الحقيبة،كان ذلك كل ما استطاعت إنقاذه من طفولته.

4/البنك

دخلت لأسحب ما تبقى من حسابي،سألني الموظف:هل تريد إغلاق الحساب نهائيًا؟
قلت: نعم.
ضغط الموظف زرًا،اختفى الحساب في ثوانٍ.
أما خمسة عشر عامًا من الانتظار،فلم يجد أحد زرًا يمحوها.

5/الفندق

قال موظف الحدود: ستقيمون مؤقتًا في مركز الترحيل،ابتسمت ،وقلت:جميل... في البلد السابق كنت في مخيم مؤقت عشرين سنة،وفي البلد الثاني عشت في مركز مؤقت ثماني سنوات،يبدو أن المؤقت يعيش أطول من البشر.

6/الصورة العائلية

وقفت الأسرة لالتقاط صورة أخيرة أمام المبنى،قال المصور:ابتسموا،ابتسم الجميع،في الخلفية كانت سيارة نقل الأثاث تنتظر،بعد سنوات، كلما نظروا إلى الصورة، ظن الناس أنها صورة نجاح عائلة مهاجرة،لم يكن أحد يرى قرار الترحيل المطوي في جيب الأب.

7/ عنوان الطوارئ

في استمارة المدرسة خانة:"الشخص الذي يُتصل به في الحالات الطارئة."
كتبت اسمي،ثم شطبته ،إذا اعتُقلت أثناء تنفيذ القرار،من سيرد على الهاتف؟
تركت الخانة فارغة،كانت تلك أول مرة أعترف فيها الورق بأن الخوف ليس له عنوان.

8/لعبة الكراسي

في كل عام كان الأطفال يغيرون الصف،أما ابن اللاجئ فكان يغيّر البلد،حفظ أسماء المطارات أكثر من أسماء المعلمين،وحين سأله أحدهم:ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟
قال:أريد أن أصل إلى سنة دراسية كاملة.

9/ البيت الذي يرفض العودة

وصلوا إلى المدينة التي هجروا منها قبل سنوات،لم يجدوا :
-بابًا.
-ولا نافذة.
-ولا شجرة.
وقف الأب في المكان الذي كان مطبخًا،قال الابن: هل هذا بيتنا؟
قال:كان.
بحث الطفل حوله، ثم قال: ومتى سيعود؟.لم يملك الأب الشجاعة ليشرح أن البيوت أحيانًا تموت أيضًا.

10/العودة الطوعية

وضع الموظف أمامي ورقتين.
-الأولى بعنوان:"المغادرة الطوعية مع دعم مالي."
_والثانية:"رفض البرنامج."
لم أقرأ التفاصيل،كنت أقرأ وجوه أطفالي،في الخارج، تنتظرهم حقيبة واحدة، وبلد لا يملك لهم بيتًا، ولا مدرسة، ولا عملًا، ولا قريبًا يستطيع استقبالهم،وقّعت.
أخذ الموظف الورقة وقال بابتسامة مهنية: شكرًا لاختياركم العودة الطوعية.
نظرت إلى القلم الذي وقّعت به،لم أشعر أني اخترت شيئًا،كل ما فعلته...أني اخترت الطريقة التي سأخسر بها آخر ما تبقى لي.