|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 8 / 3
قد أبكي...
لكن للبكاء عنوانٌ لا يعرفه العابرون،
فأنا لا أبكي لأن الدموع أضعفتني،
بل لأن العمر كلّه
وقف على باب قلبي
يستجدي وطناً
فلم يجد سوى الريح.
سألني أحدهم:
أما زلت تشعر؟
قلت:
منذ زمنٍ طويل
تحوّل قلبي إلى حجرٍ
لكن الحجارة أيضاً
تبكي حين تتذكر
أنها كانت جبالاً.
قالوا:
أأنت شاعر؟
قلت:
أنا حفنة رماد،
نجت من آخر احتراق،
وما القصائد
إلا الدخان
الذي يهرب من ذاكرة النار.
قالوا:
أأنت مثقف؟
قلت:
المثقف الحقيقي
هو من يموت واقفاً
ولا يوقّع شهادة وفاة ضميره،
أما أنا
فأدفن أيامي
بين الأوراق،
وأكتب اسمي
بحبرٍ يمتزج
بدم القلب.
قالوا:
إذن أنت فنان.
ابتسمت.
وقلت:
أجل...
لكنني أمثّل دور الميت
على مسرحٍ
كل جمهوره
جثثٌ تتنفس.
قالوا:
أنت عراقي.
أطرقت طويلاً...
ثم رفعت رأسي
كمن يحمل ألف مقبرة
فوق كتفيه.
وقلت:
كنت عراقياً
حين كانت الشمس
تستأذن سومر
قبل أن تشرق،
وحين كان الطين
يعلم العالم
كيف تصبح الكلمة وطناً،
وكيف تتحول القصبة
إلى تاريخ.
كنت عراقياً
حين كان الرجال
يصنعون المستحيل
ولا يبيعون الوطن
بثمن الخوف،
ولا يختبئون
خلف فتوى عابرة
أو رايةٍ مستعارة.
أما اليوم...
فصرنا نحصي
عدد الذين يسرقوننا
أكثر مما نحصي
عدد الذين يشبهوننا.
صرنا نبحث
عن وطنٍ
داخل وطن،
وعن إنسان
داخل إنسان،
وعن ضمير
داخل هذا الركام.
قالوا:
ومن تكون الآن؟
قلت:
أنا رماد...
لكن الرماد
ليس نهاية الحريق،
إنه ذاكرة النار.
كلما ظنوا
أنهم أطفأوني،
كنت أشتعل
في جهةٍ أخرى.
كلما دفنوني
أنبتَ قبري
ألفَ نافذةٍ
نحو الضوء.
كلما كسروا اسمي
ولد من حروفه
اسمٌ جديد.
أنا الذي
لا تموت ثوراته،
لأن الثورة
حين تسكن الروح
تصبح قدراً،
ولا تصبح حادثة.
حاولوا
أن يمحوا هويتي.
سرقوا المدن.
بدّلوا الخرائط.
لوّثوا الأنهار.
علّقوا الخوف
على أبواب المدارس.
وزرعوا في الرؤوس
أقفاصاً أكبر
من السجون.
لكنهم...
لم يعرفوا
أن العراق
ليس حدوداً على ورق،
ولا علماً فوق بناية،
ولا خطاباً سياسياً،
العراق
ذاكرةٌ إذا استيقظت
ارتجفت الإمبراطوريات.
أنا...
بقايا عراقي،
أنتظر صحوةً
توقظ الموتى
قبل الأحياء.
أنتظر طفلاً
يرسم نخلةً
من دون أن يخاف.
وأماً
تنام
ليلةً كاملة
من دون أن تعدّ
أسماء الغائبين.
أنتظر نهراً
يعود إليه الماء
قبل أن يعود إليه الصدى.
وأنتظر إنساناً
يعرف أن الوطن
لا يُبنى بالخطب،
بل بالضمائر.
قالوا:
ومتى تكون الصحوة؟
نظرت إلى السماء...
ثم إلى الأرض...
ثم إلى الوجوه
التي نسيت
كيف تنظر في المرايا.
وقلت:
لا أعلم...
فالزمن
لا يصنع النهضة.
والخرائط
لا تصنع الأوطان.
والكثرة
لا تصنع الحقيقة.
أما العقول...
فما زال كثيرٌ منها
يحمل الرؤوس،
ولا يحمل الفكر.
وما زلت...
أمشي
بين المقابر
باحثاً
عن حيٍّ واحد
يؤمن
أن الإنسان
يمكن أن يولد مرتين...
مرةً من رحم أمه،
ومرةً
من رحم وطنه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |