|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 8 / 3
إلى أين يتجه التعليم في ليبيا؟ يظل هذا التساؤل الجوهري قائمًا أمام كل حراك أو تعديل يطأ البيئة التعليمية في ليبيا. وفي سياق تفكيك البنية الاستشارية للمؤسسة التربوية، تبرز الحاجة الملحّة لضبط المفاهيم؛ إذ يُلاحظ سوسيولوجيًا أن (المجلس الاستشاري لتطوير التعليم لوزارة التربية والتعليم) و(اللجنة الاستشارية لوزارة التعليم العالي) يشتغلان كبنيتين استشاريتين موجّهتين لشخص الوزير، بدلاً من كونهما مجالس وطنية مستدامة تعنى بالسياسات الكلية للقطاع.
ورغم أهمية المظلات الاستشارية في الإدارة الحديثة، فإن إعادة البناء المؤسسي للمجالس وفصلها عن البعد الفردي يظل الضمانة الأساسية لحماية القطاع من التقلبات الوزارية. ومن جهة أخرى، يغيب المنظور العلمي في تقييم المخرجات؛ إذ يُفترض سوسيولوجيًا وتربويًا أن يعقب إعلان نتائج الشهادات العامة (كالإعدادية) صدور تقارير تقييمية شاملة يعدها خبراء ومفتشون لرصد فجوات التحصيل ومعالجتها، على أن يتم نشرها عبر الموقع الرسمي للوزارة؛ ليتسنى للمجتمع ومؤسساته الوقوف على المؤشرات الواقعية، وبما يشكل ركيزة داعمة لأي مبادرات إصلاحية مستقبلية تتضمنها تلك التقارير. غير أن الواقع يشير إلى غياب البُعد التشخيصي لصالح نمط من الاستهلاك الإعلامي والتصريحات العفوية ومنها تصريحات المركز الوطني للامتحانات التي تطرح إشكاليات مقلقة حول غياب التكافؤ التربوي وعدم دقة مؤشرات القياس عند الإعلان عن نسب نجاح مرتفعة في مناطق دون أخرى
إن هذا الواقع يستدعي الانتقال بالخطاب التربوي من فضائه العفوي إلى سياقه المؤسسي والقانوني، عبر تبني تقارير علمية ترتكز على قرارات تصحيحية، بدلاً من الخطابات التبريرية التي تقدم مسكنات مؤقتة تُطمئن المجتمع لحظيًا، لكنها تترك المرض الحقيقي يتفشى في جسد التعليم ويؤجل علاجه الجذري.
وفي هذا الإطار الحوكمة ، يبرز تساؤل ملح حول الواقع الإحصائي للتعليم العالي الخاص: ما هو العدد الفعلي للجامعات الخاصة المعتمدة رسميًا من قِبل المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية؟ إن المتتبع للمنصات الرقمية للمركز يلحظ تباينًا إحصائيًا واضحًا؛ إذ يقل العدد المدرج في الموقع الإلكتروني عما يُنشر في الوسائط الرسمية الأخرى للمركز، أو عما تعلنه المؤسسات الخاصة بناءً على قرارات اعتمادها.
هذا الارتباك الرقمي يستدعي إلزام المركز بنشر قوائم دورية محدثة للمؤسسات المعتمدة، والتي تشير المؤشرات الميدانية المتداولة إلى تجاوزها حاجز المائة مؤسسة. بالتالي تزداد الحاجة إلى حوكمة هذا القطاع عبر تفعيل الأطر القانونية المنظمة لعمل المركز، والتي تلزمه بنشر تقارير الاعتماد كاملة؛ تكريساً لمبادئ الشفافية، وتوضيحاً للمسوغات العلمية والمهنية والقانونية التي بني عليها قرار منح الاعتماد أو حجبه أو رفضه، وهي ممارسة لا تزال تواجه فجوة تطبيقية واضحة في الواقع الراهن
ولعل الملاحظة السوسيولوجية والتربوية الأكثر إثارة للقلق تتبدى عند إجراء مقارنة بنيوية للمشهد قبل عام 2014 وما بعده؛ ففي حين لم يكن عدد الجامعات الخاصة يتجاوز سبع مؤسسات آنذاك، شهدت المرحلة اللاحقة طفرة كمية متسارعة، وتحديدًا خلال الفترة (2021–2025)، دون أن يتضمن سجل المركز المعلن أي قرار يقضي برفض منح الاعتماد لأي مؤسسة تقدمت بطلبها.
إن هذه المفارقة الإجرائية تفرض على إدارة المركز القيام بمراجعة تقويمية شاملة لملفات الاعتماد السابقة وفق المعايير العلمية والمحددات القانونية الحاكمة.
ويدفعنا هذا الواقع مباشرة إلى تقاطع الحقل التربوي مع الحقل القضائي، متمثلاً في الخطاب الحازم لمكتب النائب العام بشأن مراجعة الشهادات الجامعية والعليا والتحقق من موثوقية الجهات المانحة لها. وبسبب المؤشرات التي تؤكد جنوح بعض المؤسسات نحو تسليع العملية التعليمية وإفراغ الشهادات من محتواها العلمي، فإن الضرورة الوطنية والأكاديمية تقتضي دعوة مكتب النائب العام لتشكيل لجنة علمية مستقلة من خبراء تربويين مشهود لهم بالنزاهة، تتولى مراجعة عمليات الاعتماد خاصة خلال الفترة المذكورة (2021- 2025) للتحقق من شرعية اعتماداتها الممنوحة وآليات تقييمها.
وفي الوقت الذي نثمن فيه قرار وزير الدولة لشؤون رئيس ومجلس الوزراء القاضي بوقف منح التراخيص الجديدة لإنشاء الجامعات والمعاهد الخاصة، فإن المنظور الحوكمي يرى أن هذه الخطوة تظل غير كافية ما لم تُستكمل بإجراءات نسقية أوسع؛ في مقدمتها تشكيل لجنة عليا مستقلة تتولى فحص الأوضاع الأكاديمية والقانونية للمؤسسات القائمة حاليًا، بالتوازي مع صياغة لائحة تنظيمية صارمة تضمن تلافي الاختلالات السابقة.
وفي هذا الإطار الإجرائي، فاننا نؤكد على أهمية المقترح الوطني الذي قدمته (الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم) للوزارة السابقة، والمتمثل في إطلاق مشروع (الرقم الجامعي الموحد 2021) ليشمل طلبة الجامعات الخاصة أيضًا، باعتباره آلية حوكمة تقنية تضمن استيفاء الطالب للمدد الزمنية والشروط القانونية الحاكمة لمساره الدراسي قبل منحه الدرجة العلمية، وهو مشروع استراتيجي يتطلب حماية مؤسسية وتقنية تكفل استدامته لخدمة السمعة الأكاديمية للدولة. وسيرًا في سياق الإصلاح الهيكلي ذاته، تبرز الأهمية البالغة لتفعيل (مجالس الأمناء) في مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة، استنادًا إلى الاستحقاق التشريعي الذي أقره قانون التعليم رقم (18) لسنة 2010م؛ إذ نصت المادة (72) منه صراحة على إلزامية وجود مجلس أمناء لكل جامعة، وهي المجالس المنوط بها رسم الخطط الاستراتيجية، ومراقبة وتقييم أداء رؤساء الجامعات سواء من الناحية الإدارية والمالية والأكاديمية، فضلاً عن مدى التزامهم بمعايير الجودة، بما يضمن نفي العشوائية عن الحقل الأكاديمي أسوة بباقي الجامعات الإقليمية والدولية.
وبناءً على هذا الاستحقاق المؤسسي، فإنه من الضروري ألا يُترك قرار تعيين رؤساء الجامعات الخاصة مرتهناً للتوجهات الاستثمارية لأصحاب رأس المال أو الملاك بمفردهم؛ بل ينبغي على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، عبر لجان فنية مستقلة، وضع معايير مرجعية صارمة لاختيار وتعيين القيادات الأكاديمية في هذه المؤسسات، بما يضمن استقلالية القرار الأكاديمي وحمايته من السطوة التجارية.
وفي السياق ذاته، يبرز عائق سوسيولوجي وتنظيمي يتمثل في النزعة الفوقية التي تبديها بعض مستويات الإدارة البيروقراطية بالوزارة تجاه التعليم الخاص، والتي تترجم في ممارسات إقصائية وتغييب لمبادئ الشفافية؛ ويظهر ذلك جليًا ، على سبيل المثال في استبعاد ممثلي الجامعات الخاصة من اللجان الوطنية المعنية برسم الاستراتيجيات الكبرى للتعليم العالي، أو إقصائهم من آليات تنسيق المنح والبعثات الدراسية والتدريبية المشتركة، في حين يتطلب الإصلاح الهيكلي الشامل للتعليم العالي التعاطي مع التعليم الخاص كشريك أصيل ومكافئ في بناء مجتمع المعرفة.
إن الحديث عن حوكمة المنظومة يقود مباشرة إلى مراجعة الفلسفة الحاكمة لعمليات التقييم ككل؛ وهو ما تجسد في نقاشي العلمي الموسع مع رئيس الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، والذي كشف عن توجه جاد نحو إحداث تحول استراتيجي في أنظمة تقييم الجودة بالأكاديمية، عبر الانتقال من النموذج الإجرائي المستند إلى الوثائق البيروقراطية، إلى نموذج قياس الأثر الفعلي والمخرجات الواقعية.
تتقاطع هذه الرؤية مع المقاربة السوسيولوجية التي تبنتها دراساتنا السابقة، والتي تؤكد على ضرورة رصد الممارسات والمخرجات التعليمية وفق مؤشرات واقعية وموضوعية. إن هذا المنظور يجسد المفهوم البنيوي للجودة باعتبارها أداة تقويمية تشبه (المرآة الموضوعية التي تمكننا من رؤية أنفسنا بشكل أفضل كما يرانا الآخرون، وليس كما نرغب نحن في رؤية أنفسنا) بعيداً عن الانطباعات الذاتية. ويوفر هذا الخطاب الأكاديمي الواعي لرئيس الأكاديمية أطرًا دافعة نحو تحقيق الأثر التعليمي والمجتمعي المستدام؛ كما يعكس توجهًا قياديًا وطنيًا يرتكز على الفعالية المؤسسية والإنتاجية المعرفية، متجاوزًا النزعات الاستعراضية والممارسات الشكلية المتمثلة في السعي وراء الدروع والشهادات الفخرية غير المستندة إلى أثر حقيقي في الميدان.
خاتمة القول.. إن الإكراهات التي تكبّل قطاع التعليم في ليبيا معقدة ومتشابكة، والمحاولات الحالية للإصلاح لن تؤتي ثمارها ما لم تحظَ بمظلة قرار سياسي شجاع يتبناه رئيس الوزراء شخصيًا؛ ليتحول التغيير من خطط قطاعية محدودة إلى مشروع وطني سيادي تلتف حوله مؤسسات الدولة. وهذا التحدي يعيدنا إلى عمق الفلسفة الإسلامية في العمل، والتي تلخصها الوصية النبوية الخالدة: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)؛ فواجبنا التاريخي والأخلاقي والمهني اليوم هو الغرس وإصلاح المسارات، تاركين قطاف النتائج للمستقبل. ولنا في ذاكرتنا الجمعية الليبية خير ملهم؛ فقد أثبتت التجربة التاريخية أن الإصلاح ممكن في أحلك الظروف، وتبرز أمامنا اليوم شخصيتان فذّتان قادتا الجامعة الليبية في عصرها الذهبي: الأستاذ عبد المولى دغمان (ابن علم الاجتماع)، والدكتور مصطفى بعيو (ابن التاريخ)، اللذان برهنا بعلمهما ونزاهتهما أن إصلاح التعليم واستعادة المجد التعليمي ممكن دائمًا إذا صدقت العزائم.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |