|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 8 / 2
هناك لحظات يعجز فيها العقل عن تفسير ما يحدث، وتعجز اللغة عن حمل ثقل الألم، ويقف القلم حائرًا بين أن يكتب أو أن ينكسر. ليست كل المآسي قابلة للوصف، فبعضها يخرج من حدود الكلمات، ويصبح أكبر من الأبجدية، وأعمق من الدموع، وأثقل من قدرة الإنسان على الاحتمال. ومن بين تلك المآسي، أن يُثار الحديث عن تعرض سجينة لاعتداء جنسي على يد من أوكل إليه القانون حراسة الإنسان قبل حراسة الجدران، إذا ثبت ذلك وفق القضاء. عندها لا يكون السؤال عن امرأة واحدة، بل عن ضمير مجتمع، وعن معنى الدولة، وعن القيمة الحقيقية للعدالة.ما أقسى أن تصبح الزنزانة التي يفترض أن تكون مكانًا لتنفيذ حكم القانون، مكانًا يخاف فيه الإنسان ممن يحمل شارة القانون. وما أشد مرارة أن يتحول المفتاح الذي يفتح باب الزنزانة إلى رمز للرعب، وأن تتحول السلطة التي يفترض أنها درع للضعفاء إلى سكين يجرح آخر ما تبقى في الإنسان من كرامة.إن السجن لم يُبنَ ليكسر الإنسان، بل ليطبق حكمًا قضائيًا وفق القانون. أما الكرامة، فهي ليست جزءًا من العقوبة، وليست بندًا يمكن مصادرته. فالإنسان، مهما أخطأ، يبقى إنسانًا، وجسده ليس عقوبة إضافية، وروحه ليست ساحة ينتقم فيها أحد من سلطته أو نزواته. ولهذا فإن أي انتهاك لكرامة السجين، إن ثبت وقوعه، لا يمثل سقوط فرد واحد، بل يمثل انهيارًا أخلاقيًا للمؤسسة التي كان يفترض أن تحميه.إن أكثر ما يؤلم في مثل هذه القضايا ليس حجم الألم الجسدي وحده، بل الإحساس القاتل بأن العالم كله قد أغلق أبوابه. فالضحية لا تخاف من الجدران، بل من اليقين بأن صوتها قد لا يصل، وأن استغاثتها قد تضيع بين الأوامر والرتب، وأن دمعتها قد تُدفن في ملف لا يفتحه أحد. تلك ليست مأساة امرأة فقط، بل مأساة العدالة عندما تفقد أذنيها، ومأساة الإنسانية عندما تعجز عن رؤية الجرح.لقد قال الفلاسفة إن الحضارات لا تُقاس بارتفاع أبراجها، ولا بعدد قوانينها، بل بالطريقة التي تعامل بها أضعف إنسان فيها. فإذا كان الضعيف لا يجد من يحميه، فما قيمة النصوص؟ وإذا كان القانون يُساء استخدامه، فما قيمة الشعارات؟ وإذا كان صاحب السلطة ينسى أن سلطته تكليف لا امتياز، فما الذي يبقى من هيبة الدولة سوى الخوف؟
إن أخطر ما في السلطة أنها قد تمنح بعض النفوس الوهمية شعورًا بأنها فوق المحاسبة. وعندما يتسلل هذا الوهم إلى الإنسان، يبدأ انهياره الحقيقي. فالسلطة التي لا يضبطها الضمير تتحول إلى طغيان، والطغيان لا يحتاج إلى جيوش بقدر ما يحتاج إلى صمت. لذلك فإن كل صمت عن الظلم يضيف حجرًا جديدًا إلى جدار الظلم نفسه.ليست القضية قضية جسد، فالجسد قد يحمل جراحه سنوات ثم يلتئم، أما الروح فإذا انكسرت بقي صوت كسرها يتردد في ذاكرة العمر كله. هناك جروح لا يراها الأطباء، ولا تكشفها الأجهزة، لكنها تسكن القلب، وتغير نظرة الإنسان إلى الحياة، وتجعله يشك في كل يد تمتد إليه، وفي كل باب يُفتح أمامه، وفي كل كلمة تطمئنه.
أي ألم يمكن أن تشعر به امرأة تجد نفسها محاطة بجدران عالية، وأبواب مغلقة، ووجوه يفترض أنها عنوان للأمان؟ وأي خوف يسكن روحها إذا شعرت أن المكان الذي لا تستطيع الهرب منه قد تحول إلى مكان لا تستطيع أن تحمي نفسها فيه؟ إنها لحظة لا يحتاج الإنسان فيها إلى وصف الجريمة بقدر ما يحتاج إلى الصمت احترامًا لهولها.ولذلك فإن المجتمعات لا تنهار عندما تقع فيها الجريمة، فالجريمة موجودة منذ بدأ الإنسان يعرف الخير والشر، لكنها تنهار عندما تصبح الجريمة ممكنة داخل المؤسسات التي وجدت لمنعها، أو عندما يظن الناس أن المنصب يحمي صاحبه من الحساب. فالمساواة أمام القانون ليست شعارًا يُرفع، بل ميزان يُختبر في أصعب اللحظات، حين يكون المتهم صاحب نفوذ، أو صاحب رتبة، أو صاحب سلطة.إن العدالة ليست مبنى شامخًا، ولا منصة قاضٍ، ولا نصوصًا مكتوبة في الدساتير. العدالة شعور ينام في قلب المواطن عندما يؤمن أن حقه لن يضيع، وأن الضعيف لن يُترك وحيدًا، وأن القوي لن ينجو بقوته إذا أخطأ. فإذا ضاع هذا الشعور، أصبحت المؤسسات جدرانًا بلا روح، وأصبح القانون حبرًا لا يداوي جرحًا.التاريخ لا ينسى. إنه قد يغفر للأمم أخطاءها إذا واجهتها بشجاعة، لكنه لا يغفر لها أن تخفي الحقيقة أو تساوم عليها. فكم من إمبراطوريات عظيمة لم تسقط بسبب الحروب، بل بسبب فساد الضمير. وكم من دول فقدت احترام شعوبها لأنها فضلت حماية المسيء على إنصاف المظلوم.
إن المرأة ليست مجرد رقم في ملف، ولا اسمًا في سجل، ولا متهمة تنتظر حكمًا. إنها إنسان كامل الكرامة، لها أم بكت عليها، وأب حملها يومًا بين ذراعيه، وأحلام ربما لم تكتمل، وطفولة مرت، وذكريات لا يعلمها إلا الله. ولذلك فإن أي اعتداء على إنسانيتها، إذا ثبت، هو اعتداء على ذاكرة الحياة كلها، لا على شخص واحد.وليس من العدالة أن نستبدل الغضب بالانتقام، ولا أن نحاكم الناس بالشائعات، وإنما أن تُكشف الحقيقة كاملة، وأن تُحاسب كل يد تثبت مسؤوليتها وفق القانون، بلا تمييز، وبلا حصانة، وبلا خوف من اسم أو رتبة أو نفوذ. فالقانون الذي يعجز عن محاسبة القوي لا يستطيع حماية الضعيف.ويبقى السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني: ماذا يبقى من الوطن إذا فقد الإنسان ثقته بمن يحرسه؟ وماذا يبقى من العدالة إذا احتاجت هي نفسها إلى من ينقذها؟ وماذا يبقى من السلطة إذا نسيت أن أول واجباتها حماية كرامة الإنسان؟
إن الأمم تُبنى بالحقيقة، لا بالصمت، وبالمحاسبة، لا بالتبرير، وبصيانة الكرامة، لا بانتهاكها. وستظل كرامة الإنسان هي آخر القلاع التي إذا سقطت، لم يبق بعد ذلك ما يستحق أن يسمى عدالة أو دولة أو حضارة. فالأوطان لا يحفظها السلاح وحده، ولا القوانين وحدها، وإنما يحفظها الضمير الحي الذي يرى في الإنسان قيمةً لا يجوز أن تُمس، مهما كان اسمه، ومهما كانت تهمته، ومهما كان موقعه خلف القضبان.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |