روسيا وحيدة في ساحة المعركة: دروس التاريخ في مواجهة واقع الحرب في أوكرانيا

زياد الزبيدي
2026 / 8 / 2

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


3 آب أغسطس 2026

في مقالة نُشرت يوم 23 يونيو/حزيران 2026 على منصة Aftershock، يقدّم الكاتب المعروف على المنصة بالاسم المستعار «بريستاريلي نيو» تحليلاً تاريخياً هادئاً وعميقاً يربط بين تجارب روسيا في حروب سابقة وواقع عمليتها العسكرية الخاصة الحالية. يدور المقال حول فكرة مركزية واحدة: غياب الحلفاء الحقيقيين، وما يترتب على ذلك من أعباء إضافية على الدولة الروسية في صراع طويل الأمد.

عندما يصبح الحلفاء غائبين: دروس من حرب القرم

يستهل الكاتب تحليله بإستذكار واحدة من أبرز الإخفاقات النادرة في التاريخ الروسي: حرب القرم (1853-1856). يؤكد أن الهزيمة لم تكن نتيجة ضعف الجندي الروسي، ولا تفوق السفن البريطانية «العتيقة والبطيئة»، ولا حتى الأسلحة ذات السبطانة التي كانت تتطلب جهداً أكبر في التحميل. يقول: «روسيا خسرت... لا لأن الجندي الروسي توقف عن كونه واحداً من أفضل الجنود في العالم، ولا بسبب البواخر البريطانية العتيقة والبطيئة، ولا حتى لأن الأعداء كانوا مسلحين ببنادق ذات سبطانة... بل لأن الجزء الأكبر والأكثر قدرة قتالية من جيش الإمبراطورية الروسية ظل طوال الحرب يشعل نيران المعسكرات على الحدود الغربية».

كان التهديد الحقيقي يأتي من النمسا، وبدرجة أقل من بروسيا، اللتين كانتا مستعدتين للإنقضاض على ظهر الجيش الروسي حال تحركه جنوباً نحو سيفاستوبول. يشير الكاتب إلى الإنذار النمساوي الشهير، وإلى إحتلال القوات النمساوية لإمارات الدانوب (مولدافيا ووالاشيا) التي كانت تشكل قاعدة روسية محتملة. بإختصار: لم يكن لروسيا أي حليف واحد في تلك الحرب.

الوحدة في مواجهة الغرب: الحرب السوفياتية الفنلندية

ينتقل الكاتب إلى حالة مشابهة عام 1939 خلال الحرب السوفياتية الفنلندية. مرة أخرى، وجد الإتحاد السوفياتي نفسه بلا حلفاء، بينما حظيت فنلندا بدعم دبلوماسي وعسكري تقني غربي واضح. يشير إلى أن موسكو حققت أهدافها في النهاية، «لكن بأي ثمن؟».

أهمية الحلفاء في الحروب العالمية

في المقابل، يبرز الكاتب دور الحلفاء في الحربين العالميتين. رغم أنهم كانوا «مخادعين وخائنين، وسيصبحون أعداء بعد الحرب مباشرة»، إلا أن وجودهم كان حاسماً. يدعو القارئ إلى تذكر الإمدادات عبر برنامج ليند-ليز، التي ساهمت بشكل ملموس في النصر السوفياتي على ألمانيا النازية. يقول عبارة يكررها الروس: «من الأغنية لا تُحذف الكلمات».

الوضع الحالي: «نحن وحدنا»

يصل «بريستاريلي نيو» إلى جوهر تحليله المعاصر: غياب الحلفاء الحقيقيين في سياق العملية العسكرية الروسية الخاصة. يستبعد بيلاروسيا لأسباب عديدة سبق ونوقشت مراراً على المنصة، ويصف الصين بأنها شريك معقد: «الكثير مما يطير اليوم نحو جنودنا مصنوع هناك... بالإضافة إلى الضغط على أسعار مواردنا الهيدروكربونية. شيوعيون ماهرون بطابع آسيوي».

ويُشيد بالمساهمة الكورية الشمالية في منطقة كورسك، لكنه يعتبرها «قطرة في المحيط».

أما أوكرانيا، فيصفها بأنها تتمتع بدعم هائل من «الحلفاء» الغربيين، الذين يفضل البعض تسميتهم «الأسياد» أو «مُحركي الدمى». يقدم أدلة ملموسة:

- نفاد الأسلحة الأوكرانية الأصلية خلال ستة أشهر من بدء العملية.
- إستنزاف المخزونات السوفياتية القديمة خلال عام.
- الإعتماد الكامل خلال السنتين الأخيرتين على الأسلحة الغربية الحديثة والمتطورة.
- الإعتماد المالي الكبير على الدعم الخارجي بأحجام «غير لائقة».
- موجة العقوبات غير المسبوقة على روسيا، التي «لم نكن نحلم بها حتى في زمن الإتحاد السوفياتي».

يخلص إلى أن «كل القوة المالية للغرب والإمكانيات العسكرية التقنية لحلف الناتو» تواجه روسيا.

ليست حرباً قِرمية أخرى

يحرص الكاتب على التأكيد أنه لا يتنبأ بالهزيمة. يقول صراحة: «أكتب هذا ليس لأقول إن روسيا ستخسر. الآن ليس منتصف القرن التاسع عشر، وقد أستُخلصت الدروس: لدينا ظروف مختلفة تماماً الآن، ولوجستيات أخرى، وصناعة أخرى، وأسلحة أخرى. الناس فقط هم أنفسهم – صامدون. لن نخسر، وهذا ليس حرباً قِرمية».

يوجه المقال رسالته إلى فئة معينة من الجمهور: أولئك الذين يشكون من بطء التقدم، أو ينتقدون الدفاع الجوي، أو يثورون بسبب أسعار البنزين، أو يتذمرون من نمو الإقتصاد وسياسة البنك المركزي، أو ممن لم يعجبهم «أنكوراج». يختم بدعوة تأملية بسيطة: «تذكروا فقط أننا وحدنا».

أهمية الدرس التاريخي

يُقدم تحليل الكاتب المعروف بالاسم المستعار «بريستاريلي نيو» رؤية واقعية وصارمة في آن واحد. فهو لا ينكر الصعوبات الجيوسياسية الراهنة، لكنه يستدعي الوعي التاريخي لتعزيز الصمود. في عصر يتسم بالحروب الهجينة والضغوط الإقتصادية الشديدة، يظل السؤال المركزي معلقاً: هل يمكن لدولة كبرى أن تنتصر معتمدة على قواها الذاتية فقط، كما فعلت روسيا في مناسبات تاريخية عديدة رغم كل التحديات؟