|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2026 / 8 / 2
مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢
قِراءةٌ نَفْسِيَّةٌ وَبَلاغِيَّةٌ في شِعْرِ المُتَنَبِّي: مِنْ عِلْمِ النَّفْسِ المَعْرِفِيِّ إِلى رَمادِ الخَيْبَةِ ج٢
يُعرّف عالم النفس آرون بيك (Aaron T. Beck) —مؤسس العلاج المعرفي السلوكي— «التعميم المفرط» (Overgeneralization) بأنه: خطأ أو تشوّه معرفي يصوغ فيه الفرد قاعدة كليّة عامة بناءً على حادثة واحدة أو أدلة محدودة. والواقع أن بيك عندما طوّر هذا المفهوم في ستينيات القرن الماضي، كان يرتكز ضمنياً على «قانون التعميم» (Stimulus Generalization) الذي صاغه العالم الروسي إيفان بافلوف في نظرية المنعكسات الشرطية؛ حيث نقل بيك هذا المفهوم من نطاق الاستجابة الفيزيولوجية/السلوكية لا الإرادية إلى نطاق المعالجة المنطقية والفكرية.
وبإسقاط هذا المفهوم على قول المتنبي:
فِي عِشْقِ كُلِّ قَبِيحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ
نجد أن الذهن يمارس خديعة منطقية؛ حيث يُسقط حكم الحُسن والتفضيل على الكليّة (كُلّ قبيح) بناءً على انحياز نفسي عاطفي غير موضوعي، متحولاً من إدراك جزئية استحسان عابرة إلى قاعدة شمولية صلبة.
وفي السياق ذاته، استندت الأطروحات النفسية إلى مفهوم «الواقعية السوداوية» (Depressive Realism) لدى الباحثَين أبرامسون وألوي (Abramson & Alloy)، والتي توضح كيف يميل الأشخاص الذين يمرون بمرارة أو انكسار نفسي إلى رؤية العالم بمنظار شديد القسوة والتشاؤم، معتقدين أنهم وحدهم يملكون «الحقيقة العارية»، بينما يرمون الآخرين بالسذاجة وقلة الفطنة، كما ينجلي في قول المتنبي:
وَمَا عَرَفُوا الدُّنْيَا وَمَا فَطِنُوا
ومن هذا المنطلق، لم يقف المتنبي عند حدود تشخيص حال العشاق، بل عمد إلى إطارهم الذهني عبر آلية «التأطير المعرفي» (Framing)، حاصراً إياهم في قالب المغفلين المنخدعين بالظاهر؛ وذلك بغية إقناع نفسه وتحصين ذاته بأنه أعلى شأناً وأنفذ بصيرة من أن يقع فيما وقعوا فيه من وهم واستجداء.
ولم يقف التحليل النفسي لرؤية المتنبي عند حدود التعميم والتأطير، بل يمتد للامساك بمفهوم نفسي آخر صاغه عالم النفس إدوارد ثورندايك (Edward Thorndike) في أبحاثه عام (1920) حول «تأثير الهالة» (Halo Effect)، والذي طوّره العلماء لاحقاً إلى ما يُعرف بـ «تأثير القرون» (Horns Effect) أو «الهالة العكسية».
فبينما تقود الهالة الإيجابية الفرد إلى افتراض أن صاحب الوجه الحسن يمتلك جوهراً حسناً بالضرورة، يمارس المتنبي معادلة قسرية معكوسة؛ إذ يفترض العقل المجهد والنفس المكسورة وجود عيب خفي ومدمّر خلف كل ما هو جميل، كنوع من «التشكيك الوقائي» (Suspiciousness)؛ وهو انحياز معرفي يجعل الفرد يسقط صفة القبح أو الرداءة الكلية على الجوهر، لمجرد الحذر من فخ الانخداع بالظاهر الجميل.
ولتكتمل اللوحة التحليلية، يبرز التفسير ممتداً إلى مدرسة التحليل النفسي مع سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، وتحديداً عبر ميكانيزمات الدفاع النفسي كالـ «التكوين العكسي» (Reaction Formation) و«التسامي» (Sublimation).
فالمتنبي إذ يهاجم العشق ويتسفه مقاصد العشاق، يمارس حيلة دفاعية يغطي بها عن حرمان عاطفي أو رغبة دفينة لم تتحقق؛ فيتحول الشعور بالعجز عن التكيف مع الحب إلى هجوم ضارٍ عليه وازدرائه، محولاً تلك الطاقة العاطفية المحبطة عبر التسامي إلى استعلاء فكري وشعر حكائي يترفع فيه عن صغائر العواطف، مدعياً الخلاص والتعالي على وهم العشق الذي تورط فيه باقي البشر.
بِمَ التَّعَلُّلُ؟.. عِنْدَما تُصاغُ الحِكْمَةُ مِنْ رَمادِ الخَيْبَةِ
ومع كل هذا التحليل الفلسفي والنفسي لأبيات المتنبي، ينبغي ألا ننسى حقيقةً نقديةً جوهرية: أن الشاعر — وإن صاغ الحكمة وسكبها في قالب شوارد الأبيات — فإن نتاجه الإبداعي في النهاية هو استجابةٌ لحالةٍ نفسيةٍ راهنةٍ ولحظةٍ شعوريةٍ صادمة، وليس موقَفًا فكريًّا مجردًا أو نظريةً ثابتة.
فعندما نقرأ بيته السائر في قصيدته الخالدة «بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَنُ»:
مِمّا أَضَرَّ بِأَهْلِ العِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وَما عَرَفُوا الدُّنيا وَما فَهِمُوا
سنرى بوضوح أنه لم يأتِ في سياق غزلٍ تقليدي أو تأملٍ ذهني بارد، بل جاء عقب أبياتٍ تجسد ألم الخيبة بالمحبوب. فلم يكن المتنبي يتوقع أن «سيف الدولة الحمداني» — الذي أحبه بصدق، وخلّد بطولاته بأهم وأفخر القصائد في تاريخ الشعر العربي — سيقابله في النهاية بالجفاء والإهمال، منتصرًا لأعدائه وحسّاده.
البُعد البلاغي والنفسي لـ «العِشْقِ»:
إن استخدام المتنبي لكلمة «العِشْقِ» هنا يحمل شحنةً بلاغية ونفسية مكثفة؛ فالعشق عنده لم يكن موجّهًا لامرأة، بل كان عشقًا سياسيًا ووجدانيًا لسيف الدولة وللمشروع الحضاري والرمزي الذي حلم به المتنبي إلى جواره. لقد أعمى هذا العشق الصادقُ عينَ الشاعر عن طبيعة الدنيا وتقلبات الملوك، فلما استيقظ على فاجعة الجفاء، صاغ هذه الحكمة الموجعة وكأنه يعاتب بها نفسه ويجلد بها حسرتَه أولاً قبل أن يعاتب الأمير.
لقد كانت تلك الخيبة بداية الشرارة التي دفعته لاحقًا — في آخر قصيدة أنشدها بمجلس سيف الدولة — إلى مواجهته بعتابٍ جريحٍ وقاسٍ يصل إلى حدّ الاتهام بـ «العمى في التمييز» وعدم القدرة على فرز الرجال، حين قال له:
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً ... أَن تَحْسَبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
وَمَا انتِفاعُ أَخِي الدُّنْيا بِنَاظِرِهِ ... إِذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأَنْوارُ وَالظُّلَمُ
إن حكمة المتنبي في «بِمَ التَّعَلُّلُ» ليست مجرد فلسفة في الحياة، بل هي «تلقيحٌ شعوري» للألم؛ إنها صرخة الرجل الذي غامر بقلبه وعقله في رهانٍ إنساني، فخرج منه بلا أهلٍ ولا وطن، ولم يبقَ له سوى الحرف ليصنع منه وطنه الخالد
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |