|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
أمين أحمد ثابت
2026 / 8 / 2
في آلية التصحيح الذاتي للدولة
سابقا كنا قد وصلنا الى استنتاج واضح بأن الدولة لا تختطف عندما تصبح السلطة قوية، وإنما عندما يتحول أحد مكوناتها إلى مرجعية نهائية تحل محل المركز الوجودي الذي نشأت حوله الدولة. غير أن هذا الاستنتاج، على الرغم من ضرورته، لا يفسر كيف تستطيع الدولة أن تتجنب هذا المصير، ولا كيف تستعيد انتظامها إذا بدأ الخلل بالفعل - ومن هنا يتبدى علينا تساؤل جديد قد يمثل نقطة تحول كبير في هذه النظرية ، والمتمثل ب :
هل تمتلك الدولة قدرة ذاتية على تصحيح اختلالاتها، أم أن كل تصحيح يأتي دائمًا من خارجها ؟
للوهلة الأولى قد يبدو السؤال سياسيا، لكنه في جوهره سؤال وجودي ، فالكيان الذي لا يمتلك في داخله قانونا لتصحيح اختلالاته لا يستطيع أن يكون وجودا مستقلا، بل يبقى وجودا تابعا لعوامل خارجه. أما الكيان الذي يستطيع إعادة تنظيم نفسه كلما تعرض لاختلال داخلي، فإنه يكون قد بلغ مرتبة أعلى من الوجود؛ مرتبة يصبح فيها استمرارُه نابعًا من بنيته، لا من الظروف المحيطة به.
ولهذا فإن المناعة الوجودية لا تعني مقاومة الأخطار فحسب، وإنما تعني، قبل ذلك، امتلاك القدرة على تصحيح الذات دون الحاجة إلى إعادة إنشاء الدولة من جديد.
وهنا ينبغي التوقف أمام خطأ نظري تكرر في معظم الأدبيات السياسية.
لقد جرى تفسير الإصلاح السياسي غالبا بوصفه تغييرا في الحكومات، أو تعديلًا في الدساتير، أو إعادة توزيع للصلاحيات، أو استبدالا للنخب – فقد تكون هذه الإجراءات ضرورية في ظروف معينة ، لكنها لا تمثل في ذاتها قانون التصحيح ، فهي لا تعد سوى أدوات يمكن أن تستخدم في اتجاهات متناقضة؛ فقد تؤدي إلى تعميق الدولة، وقد تؤدي إلى تعجيل تفككها، بحسب القانون الذي يحكم استخدامها.
ومن ثم فإن الإصلاح لا يقاس بمقدار ما يغير من البنية الظاهرة، بل بمقدار ما يعيد المركز الوجودي إلى موقعه الطبيعي بوصفه المرجعية العليا لجميع العلاقات - وهذا يقودنا إلى تقرير مبدأ أساسي في نظريتنا المطروحة في هذا الشأن وفق التالي :
ليست كل حركة إصلاحية فعلا تصحيحيا، كما وأن ليست كل مقاومة للتغيير دفاعا عن الدولة؛ فجوهر الامر يكمن في جواب التساؤل التالي : هل أعادت الحركة السياسية إنتاج المركز الوجودي للدولة أم نقلته إلى مركز آخر؟
وتظل هذه العبارة تمثل معيارا جديدا للحكم على الإصلاحات السياسية، لأنها لا تسأل . . هل حدث التغيير؟ ، بل تسأل: إلى أي قانون وجودي يخدم هذا التغيير؟
ماهية الاتزان الوجودي
وقبل الحديث عن إعادة الاتزان، ينبغي تحديد معنى الاتزان نفسه.
إن الاتزان، في هذه النظرية، لا يعني انعدام الحركة، لأن السكون الكامل ليس علامة صحة، بل علامة موت. كما لا يعني تساوي القوى، لأن المجتمع لا يعيش في حالة مساواة مطلقة بين جميع عناصره.
الاتزان الوجودي يعني شيئا مختلفا تماما - إنه الحالة التي تبقى فيها جميع القوى المتحركة داخل الدولة، مهما تعاظمت أو تراجعت، خاضعة للقانون الأعلى الذي يمنعها من التحول إلى مراكز وجود مستقلة - فالاختلاف مشروع ، التنافس مشروع ، التداول مشروع ، الاحتجاج مشروع ، والصراع على البرامج والسياسات مشروع – لكن لا يعد مشروعا - من الناحية الوجودية - أن تتحول أي من هذه الحركات إلى مصدر بديل لتعريف الدولة - لهذا فإن الاتزان ليس حالة سياسية، بل خاصية بنيوية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |