|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 8 / 2
قال أحد الحكماء إن الحقيقة لا تموت، لكنها أحيانًا تضطر إلى ارتداء ثياب المهرج كي يسمحوا لها بالدخول. ولعل هذا هو قدر السخرية؛ فهي آخر اللغات التي يلجأ إليها العقل عندما يعجز عن إقناع من اعتادوا التصفيق للهاوية. فالإنسان يبكي مرة، لكنه حين يكتشف أن البكاء لم يعد يوقظ أحدًا، يضحك... لا لأنه سعيد، بل لأن الضحك أصبح الطريقة الوحيدة التي تمنعه من الجنون.جلست أتصفح أخبار العالم، فإذا بكل دولة تحمل على ظهرها خطاياها، تعترف بها، تختلف حولها، تحاسب عليها أو تحاول إخفاءها. أما نحن، فقد اكتشفنا معجزة لم يكتشفها نيوتن ولا أينشتاين ولا سقراط؛ فنحن الدولة الوحيدة التي لا تعاني من شيء، لأن كل شيء فيها يُعاد تعريفه حتى يفقد اسمه.الفساد ليس فسادًا، بل "اجتهاد إداري". والمحسوبية ليست ظلمًا، وإنما "صلة رحم". والرشوة ليست جريمة، بل "هدية متبادلة". وتأخير معاملات الناس ليس استهانة بكرامتهم، بل برنامج وطني لتعليمهم الصبر. أما انقطاع الخدمات، فهو مشروع فلسفي لإقناع المواطن بأن السعادة لا تحتاج إلى كهرباء ولا ماء ولا شارع معبد.لقد أصبح قاموسنا الوطني أعظم اختراع في العصر الحديث؛ فهو قادر على تحويل الهزيمة إلى انتصار، والفشل إلى إنجاز، والدين إلى استثمار، والوطن إلى شعار يُرفع في النهار، ثم يُقايض في الليل.والعجيب أن الجميع يعرف الحقيقة، لكنهم يتعاملون معها كما يتعامل الضيوف مع الفيل الجالس في منتصف الغرفة؛ يلتفون حوله، يتحدثون عن الطقس، وعن أسعار الطماطم، وعن نتائج مباريات كرة القدم، بينما الفيل يزداد حجمًا، حتى لم يعد في الغرفة مكان إلا له.نحن لا نخاف من الكذب، بل نخاف من الصدق، لأنه يفسد حفلات التصفيق. فالذي يقول الحقيقة يُتهم بأنه متشائم، والذي يصف الواقع كما هو يصبح خائنًا أو حاقدًا أو مأجورًا، أما الذي يبيع الوهم بالجملة، فيُستقبل بالأحضان، ويُمنح المنابر، ويُقدم بوصفه خبيرًا في صناعة الأمل.يا لهذا الوطن الذي تحول فيه التملق إلى وظيفة، والصمت إلى وسام، والنفاق إلى مهارة، حتى صار الصادق يشعر بأنه غريب بين قوم يتحدثون اللغة نفسها، لكنهم لا يفهمون الكلمات ذاتها.في بلادنا، لا يحتاج الفساد إلى أن يختبئ، فهو يمشي في وضح النهار مرتديًا ربطة عنق أنيقة، ويبتسم للكاميرات، ثم يتحدث عن النزاهة بثقة فيصفق له الجميع، وكأن المسرحية لا تزال تعرض للمرة الأولى، رغم أنها تجاوزت آلاف العروض.أما المواطن، فهو البطل الوحيد الذي يدفع ثمن التذكرة في كل مرة، ثم يخرج من المسرح وهو يردد العبارة نفسها: "ربما يكون العرض القادم أفضل." لكنه يعود في الموسم التالي ليجد الديكور نفسه، والممثلين أنفسهم، والحوار نفسه، حتى التصفيق نفسه.لقد أصبح الوطن يشبه ساعة معطلة؛ تشير إلى الوقت الخطأ، لكنها تقنع الجميع بأنها أكثر دقة من الشمس.ومع ذلك، لا تزال هناك قلة تؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالتصفيق، بل بالمصارحة، ولا تنهض بالمجاملة، بل بالاعتراف، ولا يحميها من الانهيار إلا أولئك الذين يجرؤون على قول كلمة "لا" حين يتحول الجميع إلى جوقة "نعم".إن السخرية ليست استهزاءً بالوطن، بل دفاع عنه. إنها صفعة على وجه الوهم، واحتجاج أخلاقي ضد اعتياد القبح. فمن يحب وطنه لا يزين جراحه بالورود البلاستيكية، بل يفتحها للضوء كي تُشفى.ولذلك، كلما سمعت من يقول: "الأمور بخير... ولا داعي للقلق"، فتأكد أن القلق قد بلغ مرحلة لم يعد يستطيع فيها الكلام، فاختار أن يضحك.وهكذا يبقى الوطن واقفًا بين حقيقتين؛ حقيقة يصنعها الناس بعرقهم وصبرهم، وحقيقة أخرى يصنعها الخطاب الرسمي بالبلاغة والزينة. وبين الحقيقتين يقف المواطن، يبتسم ابتسامة ساخرة، لأنه أدرك متأخرًا أن أكثر الكوميديات إيلامًا هي تلك التي تُعرض باسم الوطن، بينما يدفع ثمنها الوطن نفسه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |