شذرة (4) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية

أمين أحمد ثابت
2026 / 8 / 1

لماذا تفشل المجتمعات في اكتشاف الاختطاف مبكرا
يبقى سؤال أكثر دقة: إذا كان الاختطاف يمثل انقلابا في البنية الوجودية ، فلماذا لا تدركه المجتمعات في بداياته؟
السبب في ذلك أن الاختطاف لا يظهر عادة في صورة عداء معلن للدولة، بل في صورة ادعاء تمثيلها بصورة أكمل من الدولة نفسها. فالجزء لا يقول إنه بديل عن الدولة، وإنما يقول إنه التعبير الأصدق عنها، والحارس الوحيد لمصالحها، والمالك الحصري لمعناها. ومن هنا تكمن خطورته؛ لأنه لا يواجه المركز الوجودي مواجهة مباشرة، بل يعيد تعريفه حتى يبدو التطابق بينهما طبيعيا ، وعندما تستقر هذه العملية في الوعي العام، يصبح نقد الجزء وكأنه نقد للدولة، وتغدو معارضته وكأنها معارضة للوطن، وتتحول العلاقة بين الدولة والسلطة أو بين الدولة وأي مركز جزئي آخر إلى علاقة اندماج رمزي يصعب على المجتمع تمييز حدودها.
ولهذا فإن المناعة الوجودية لا تختبر عندما تواجه الدولة خصما خارجيا، بل عندما تمتلك من داخلها من القوانين والمؤسسات والثقافة السياسية ما يمنع أي جزء، مهما بلغت قوته أو شرعيته أو شعبيته، من إعادة تعريف الكل باسمه.
وهنا يمكننا أن نصيغ خلاصة النتيجة الأولى في مقولة اختطاف الدولة ب :
كل اختطاف للدولة يبدأ حين يتحول أحد أجزائها من وظيفة داخل الكيان إلى مرجعية فوق الكيان، وكل مقاومة حقيقية للاختطاف تبدأ بإعادة المرجعية إلى المركز الوجودي الذي تنشأ منه الدولة، لا إلى الجزء الذي يدعي احتكار تمثيلها.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن