|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 8 / 1
1 آب أغسطس 2026
عندما دوّى إنفجار فندق الملك داود في القدس يوم 22 يوليو/تموز 1946، لم يكن أحد يتوقع أن بعض الأشخاص المرتبطين بالتنظيمات الصهيونية المسلحة التي أتُهمت بتنفيذه سيصبحون بعد عقود قادة للكيان الإسرائيلي. ففي ذلك الوقت كانت سلطات الإنتداب البريطاني تنظر إلى منظمات مثل «إرغون» و«ليحي» بإعتبارها جماعات إرهابية تهدد الأمن والإستقرار في فلسطين، بينما كانت تلك التنظيمات ترى نفسها حركة تحرر تخوض حرباً ضد قوة إستعمارية تعيق مشروع إقامة الدولة اليهودية.
وبعد أقل من ثلاثة عقود، أصبح مناحيم بيغن، قائد «إرغون» أو "إتسل" ، رئيساً لوزراء إسرائيل، ولحق به إسحاق شامير، أحد أبرز قادة «ليحي» المعروفة عربيا بإسم شتيرن. أما الإرث السياسي والفكري الذي خلفاه فقد تحول لاحقاً إلى أحد أهم التيارات السياسية في إسرائيل الحديثة، ممثلاً بحزب «الليكود» الذي لا يزال لاعباً مركزياً في الحياة السياسية الإسرائيلية حتى اليوم.
من الحليف إلى الخصم
لم تبدأ العلاقة بين الحركة الصهيونية وبريطانيا كعلاقة عداء. فعندما صدر وعد بلفور عام 1917، إعتبرته الحركة الصهيونية إنتصاراً تاريخياً منح مشروعها شرعية دولية غير مسبوقة. ومع حصول بريطانيا على إنتداب فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، تدفقت موجات الهجرة اليهودية إلى البلاد بدعم من المؤسسات الصهيونية العالمية وتواطؤ سلطة الإنتداب.
لكن التوازن الذي حاولت بريطانيا الحفاظ عليه بين العرب واليهود سرعان ما تحول إلى معضلة سياسية وأمنية. فمع تصاعد التوترات وإندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، بدأت لندن تعيد النظر في سياساتها. وجاء «الكتاب الأبيض» لعام 1939 ليضع قيوداً على الهجرة اليهودية ويحد من فرص إقامة دولة يهودية مستقلة.
هنا بدأت قطاعات واسعة من الحركة الصهيونية تنظر إلى بريطانيا بإعتبارها عقبة أمام تحقيق أهدافها. وبينما فضلت «الهاغاناه» إتباع نهج أكثر حذراً، إختارت تنظيمات أخرى طريق المواجهة المسلحة.
ولادة التنظيمات السرية
برزت في تلك المرحلة منظمتان ستتركان أثراً عميقاً في تاريخ إسرائيل الحديث: «إرغون» و«ليحي».
تبنت «إرغون» رؤية قومية متشددة تقوم على إستخدام العنف لطرد البريطانيين وفرض واقع سياسي جديد. أما «ليحي»، التي إنشقت عن «إرغون»، فقد ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن الحرب ضد بريطانيا يجب أن تستمر مهما كانت الظروف الدولية.
نفذت التنظيمات المسلحة سلسلة من العمليات ضد القوات البريطانية، شملت تفجيرات وهجمات على المنشآت الأمنية وخطوط المواصلات، إضافة إلى عمليات إغتيال وخطف. وبالنسبة للسلطات البريطانية، لم يكن هناك شك في طبيعة هذه الجماعات، إذ جرى تصنيفها بإعتبارها منظمات إرهابية تستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسية.
في المقابل، رأى أنصارها أنها تمارس حقاً مشروعاً في مقاومة سلطة إستعمارية تمنع قيام الدولة اليهودية.
تفجير غيّر التاريخ
جاء تفجير فندق الملك داود ليصبح الحدث الأكثر شهرة وإثارة للجدل في تاريخ تلك التنظيمات.
كان الفندق يضم مقر الإدارة البريطانية والقيادة العسكرية في فلسطين، ما جعله هدفاً إستراتيجياً بالنسبة لمنظمة «إرغون». وفي 22 يوليو/تموز 1946 إنفجرات عبوات ناسفة ضخمة داخل المبنى، ما أدى إلى إنهيار جزء كبير منه.
أسفرت العملية عن مقتل 91 شخصاً، بينهم عرب وبريطانيون ويهود، إضافة إلى عشرات الجرحى. ومنذ ذلك الحين ظل الجدل قائماً حول العملية نفسها؛ فبينما قالت «إرغون» إنها وجهت تحذيرات مسبقة قبل التفجير، إعتبر البريطانيون وكثير من المراقبين أن النتيجة النهائية كانت كارثة إنسانية لا يمكن تبريرها.
ورغم أن التفجير أثار إنتقادات واسعة داخل بعض الأوساط الصهيونية نفسها، فإنه رسخ صورة التنظيمات المسلحة بوصفها قوة لا يمكن تجاهلها في معادلة فلسطين.
من السرية إلى السلطة
المفارقة الكبرى أن نهاية الإنتداب البريطاني وقيام إسرائيل عام 1948 لم يؤديا إلى إختفاء قادة التنظيمات المسلحة من المشهد، بل فتحا أمامهم أبواب العمل السياسي.
فقد أسس مناحيم بيغن حزب «حيروت»، الذي حمل كثيراً من أفكار الحركة التصحيحية الصهيونية التي إستندت إليها «إرغون». وفي العقود التالية تحول الحزب تدريجياً إلى أحد أعمدة المعارضة الإسرائيلية في مواجهة هيمنة حزب العمل.
وفي عام 1977 حدث ما عرف في إسرائيل بـ«الإنقلاب السياسي»، عندما نجح بيغن في إيصال اليمين إلى السلطة للمرة الأولى. لم يكن ذلك مجرد فوز إنتخابي، بل كان تحولاً تاريخياً أنهى عقوداً من سيطرة النخبة التي قادت الحركة الصهيونية الرسمية قبل قيام الدولة.
وبعد سنوات قليلة وصل إسحاق شامير، أحد قادة «ليحي»، إلى رئاسة الحكومة هو الآخر، ليصبح اثنان من أبرز رموز التنظيمات الإرهابية السرية السابقة على رأس الدولة التي كانت تلك التنظيمات تحلم بإقامتها.
من بيغن إلى نتنياهو
لا يمكن فهم صعود حزب الليكود من دون العودة إلى إرث بيغن وشامير.
فحزب «حيروت» الذي أسسه بيغن تحول لاحقاً إلى النواة الأساسية التي نشأ منها «الليكود» في سبعينيات القرن الماضي. ومع مرور الوقت أصبح الحزب التعبير السياسي الأبرز عن التيار القومي المحافظ في إسرائيل.
ورغم إختلاف الظروف التاريخية بين جيل التنظيمات السرية وجيل السياسيين المعاصرين، فإن كثيراً من الباحثين يرون خيطاً فكرياً يربط بينهما: التشديد على الأمن، والتمسك بالرواية القومية اليهودية، والنظر بحذر إلى الضغوط الدولية المتعلقة بالأرض والحدود.
وفي هذا السياق يُنظر إلى بنيامين نتنياهو بوصفه الوريث السياسي الأبرز لذلك التقليد. فالليكود الذي يقوده اليوم ما زال يستند إلى جزء مهم من الإرث الذي خلفه بيغن وشامير، حتى وإن تغيرت الأدوات والظروف والمعارك.
ذاكرة يصعب حسمها
بعد مرور ثمانين عاماً على تفجير فندق الملك داود، لا تزال إسرائيل تتعامل مع الحدث بحذر. فالتفجير يحتل مكانة معقدة في الذاكرة الوطنية؛ فهو بالنسبة لبعض الإسرائيليين جزء من معركة الإستقلال ضد الإنتداب البريطاني، بينما يراه آخرون عملاً إرهابياً أدى إلى مقتل مدنيين أبرياء.
ولهذا السبب لا تحتفي الدولة الإسرائيلية رسمياً بذكرى العملية كما تحتفي بمحطات أخرى من تاريخها، لكنها في الوقت نفسه لا تتنصل من الشخصيات التي إرتبطت بها، لأن بعضها تحول إلى رموز وطنية وقادة تاريخيين.
وهكذا يبقى تفجير الملك داود أكثر من مجرد حادثة أمنية في سنوات الإنتداب الأخيرة. إنه نافذة لفهم الكيفية التي إنتقلت بها مجموعات إرهابية سرية مسلحة من هامش الصراع إلى مركز السلطة، وكيف تحول قادتها من مطاردين من قبل بريطانيا إلى رؤساء حكومات وقادة دولة. وبين الإنفجار الذي هز القدس عام 1946 وصعود الليكود إلى الحكم بعد عقود، تتكشف واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.