تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسياسي الليبي

حسين سالم مرجين
2026 / 7 / 30

في المجتمعات القبلية، تحكم الأسطورة تفاصيل الحياة؛ إذ يميل الوجدان الجمعي إلى صناعة أبطال خارقين، يلوحون في المخيلة كأنهم هبطوا من عوالم أخرى، حتى لتُغلف الحكاية العابرة سريعًا بهالات المبالغة والبطولة.
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة سوسيولوجية لافتة جسّدتها النخبة المحيطة برأس السلطة الليبية السابقة؛ وهي الظاهرة التي شرّحها عبد الرحمن شلقم بكفاءة في كتابه شخصيات حول القذافي. وبالنظر إلى تلك الشخوص، وبتفكيك خلفياتهم، يمكن رصد قواسم مشتركة صنعت ملامحهم: خلفية بدوية قادمة من أطراف البادية بعيدًا عن حواضر المدن، وكذلك عوزٌ قديم معزز بشح الإمكانات، والأخطر من ذلك؛ سجل حافل بالإخفاق في إدارة المسؤوليات التي أُسندت إليهم؛ وهو إخفاقٌ مقصود في هندسة السلطة لضمان التبعية المطلقة.
وتتجلى سيكولوجية هذه النخبة في واقعة حقيقية تختزل مشهد تبدّل الولاءات؛ فقد نجح رجل أمن في إيصال قريبه إلى كرسي الوزارة، بعد أن كان الأخير يقضي لياليه مستضيفًا في بيته. ومباشرة بعد صعوده وتولّيه المنصب، انقطع الوزير تمامًا عن قريبه. وعندما عاتبه رجل الأمن مستغربًا: لماذا لم تعد تأتي إلينا؟، صدمه الوزير بإجابة تختزل عقلية النفعية ونكران الجميل قائلاً: أنا الآن أبحث عن المضايع، ولم أعد بحاجة إلى الرجال!.
إنها الإجابة التي تلخص بنية السلطة؛ فالمضايع في عرف القبيلة هم الأدوات الطيعة التي لا تملك مبدأ ولا كرامة، في حين أن الرجل بمفهومه الأخلاقي يملك القدرة على قول (لا)؛ وهي الكلمة التي لم تكن تحتملها طبيعة سلطة تقتات على التبعية والولاء الأعمى.
في الحقيقة لم يكن أيّ من أولئك المسؤولين يجرؤ، طوال رحلته، على نطق كلمة (لا) في حضرة رأس السلطة؛ فالبقاء في جنة النخبة الحاكمة كان مشروطًا بتبعية مطلقة، وتحول كامل إلى أداة طيعة ينطبق عليها تماماً منطق المضايع .
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فرغم تقلّدهم لأرفع المناصب، لم يسجل التاريخ لهم إنجازًا حقيقيًا واحدًا يمكن أن تذكره الأجيال. كل ما تركوه وراءهم لم يكن سوى ظواهر صوتية؛ عبارات شعبية، وأمثال دارجة، ومشاحنات لفظية مُؤطّرة بدقة تحت سقف الطاعة، وضمن هامش التنفيس الذي يمنحه الديكتاتور؛ وهي الحقيقة العارية التي تنبّه إليها بذكاء عبد الرحمن شلقم في شهادته وشخّصها بعمق.
والغريب أن العقل الجمعي الليبي أعاد إنتاج هذه المساجلات الجوفاء بكواليس المؤتمر الشعبي العام، وأسبغ عليها طابع البطولات الهلالية الوهمية، رغم خلوّها التام من أي موقف رفض حقيقي. وحين نُخضع تلك العبارات لتحليل سوسيولوجي، نكتشف سريعًا أنها كانت أصواتًا تعلو وتنخفض ضمن النطاق المسموح به، ولا تعبر عن أي مشروع وطني.
ولإدراك مدى سطحية هذا الصخب، تبرز أمامنا مقاربة تاريخية حاسمة تزن المواقف بميزان الوطنية الحقة؛ إذ تستحضر الذاكرة تلك القامة الشامخة، الزعيم بشير السعداوي، حين خسر معركته السياسية بفعل التزوير والإقصاء، فغادر المشهد بعبارة تاريخية خالدة تلخص فقه بناء الدول: لقد خسرنا السلطة ... ولكننا كسبنا وطنًا.
وحين نضع هذه الكلمات الوازنة في كفّة، مقابل جلّ التراشق اللفظي لأولئك المسؤولين في كفّة أخرى، نكتشف أن أحاديثهم لم تكن سوى مشاحنات شعبوية لا تحمل أدنى قيمة سياسية، ولا ترقى لأي أبعاد وطنية؛ بل هي أشبه بالنقاشات العفوية التي يخوضها رجل بدوي بسيط في سوق الماشية للاعتراض على سعر أو بضاعة.
ورغم البون الشاسع بين المشهدين، تتبدّى المفارقة الصادمة في سلوك العقل الجمعي؛ إذ تناسى تمامًا الموقف الوطني التأسيسي للسعداوي، وانحاز بذاكرته ليمجد تلك السجالات الفارغة ويمنحها هالة البطولات الوهمية.
لم تكن تلك المناوشات الصوتية صدفاً عابرة تولدت تلقائيًا من لحظة انفعال؛ بل كانت فصولاً في مسرحية كُتبت بدقة تحت سقف السلطة.
لقد رُسمت بعناية لتؤدي وظيفة خبيثة؛ تأصيل التفاهة، وتوجيه الوعي بعيدًا عن القضايا المصيرية. وفي هذا المناخ الشمولي، جرت عملية تأميم ممنهج للذاكرة وجرف للوعي التاريخي؛ تعمد النظام خلالها مسح رجالات الاستقلال والتأسيس وعلى رأسهم بشير السعداوي بمقولته الخالدة من المناهج والإعلام.
وبدلاً من فكرة الدولة والسياسة العميقة، زُرعت ثقافة الخطاب الشفاهي والمشافهة البدوية؛ مما جعل الذوق العام ينحاز طواعية للمشاجرة اللفظية الجوفاء، ظانًا أنها بطولة، بينما هي في الحقيقة مجرد إلهاءٍ مرسوم
يعلم النظام الديكتاتوري أن استمراره مرهون بتسطيح العقول؛ فلو تداول الناس مفاهيم الوطن والدولة التي نادى بها رجالات التأسيس كالسعداوي لالتفتوا فورًا إلى حقوقهم المسلوبة. ومن هنا، نبع الذكاء السياسي لرأس السلطة حين صنع مسرحية المؤتمرات الشعبية، تاركًا مسؤولي الدرجة الثانية يتشاحنون تحت قبتها مستعينين بالأمثال الشعبية؛ ليمنح الجماهير انطباعًا زائفًا بالحرية والمشاركة، بينما يرسّخ في الخفاء تبعيتهم المطلقة.
هذا التكتيك بالتحديد هو ما وثّقه عبد الرحمن شلقم في كتابه؛ مؤكدًا خلو مسيرة أولئك المسؤولين من أي موقف سياسي أو وطني حقيقي، سوى كونهم ظواهر صوتية بارعة.
وتتجلى المفارقة اليوم في اعترافات أبواق النظام أنفسهم؛ إذ خرج مؤخرًا أحد مقدمي البرامج التعبوية السابقة ليزعم في حديثه أن رأس السلطة فشل في اختيار الرجال. لكن الحقيقة التاريخية والسوسيولوجية تفنّد هذا الادعاء الواهم: فالقذافي لم يفشل في اختيار الرجال، بل لم يكن يريد رجالاً حوله أصلاً، مدفوعاً بخوفه الوجودي منهم؛ فالرجال الحقيقيون أصحاب القرار والكرامة إما غيّبهم القتل، أو طواهم السجن، أو دفعهم الإقصاء إلى المنافي.
وتحت وطأة هذا الانسداد، لجأ العقل الجمعي المقهور إلى قنوات تعويضية للتنفيس؛ فلم تكن تلك السجالات اللفظية لمسؤولي النظام مجرد أحاديث عابرة، بل تحولت في مخيلة الجماهير المتعطشة لأي ملمح من ملامح الرفض إلى أداة للمقاومة الصامتة، وآلية هروب جماعي لتفريغ الكبت السياسي. لقد وجد المواطن في صخب تلك المشاحنات الثغرة الوحيدة المتاحة للخروج ولو مجازًا من شرنقة الديكتاتورية المطبقة عليه.
وفي المقابل، أبدى النظام قبولاً وارتياحًا لهذه المساجلات طالما أنها تصدر عن نخب تملك ولاء المضايع لا ولاء الرجال الأنداد. وبتواطؤ الطرفين (خوف السلطة وحاجة الشعب المقهور للتنفيس عبر قنوات تعويضية)، تدهورت معايير البطولة الإنسانية؛ فلم تعد البطولة تعني المواقف التأسيسية الشجاعة، بل جرت عملية تزييف قادت إلى أَصْطَرة التفاهة، وغدت البذاءة والسطحية في سرديات الجماهير حدًا أقرب إلى بطولة غوغائية.
ويتجسد هذا الانحدار القيمي في واقعة تاريخية مخزية لأحد المسؤولين حين خطب في المؤتمر الشعبي العام معلنًا بتبجح: أنا هو هو، سواء كنت لابسًا أو عريانًا!. إن هذه العبارة لا تعكس فقط انحطاط النخبة الحاكمة آنذاك، بل تفضح أيضًا كيف أعاد العقل الجمعي تدوير هذا السقوط الأخلاقي واستدعاءه بوصفه نوعًا من المقاومة الوهمية ضد الاستبداد.
تأسيسًا على ما تقدّم، نخلص إلى نتيجة تُشخّص أزمة الوعي التاريخي في ليبيا؛ حيث يعكس انحياز الذاكرة الجمعية للمشاحنات الرقمية والجهوية السطحية اليوم، عمق الجرح السيكولوجي الذي خلفته عقود الاستبداد؛ العقود التي جرفت الوعي وأصلت ممنهجًا لنظام التفاهة.
إننا اليوم أمام ضرورة سوسيولوجية ملحة لإعادة بناء الذاكرة المشتركة وتفكيك مخلفات السجالات العبثية والأبطال الوهميين. إن استرداد عافية المجتمع يتطلب بالدرجة الأولى إحياء السرديات الجامعة، وإعادة الاعتبار للرموز الوازنة؛ فلن يستقيم بناء الدولة الليبية بنبش الأحقاد المفتعلة، بل بتأصيل المشترك الوطني الحقيقي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن