نادية

مارينا سوريال
2026 / 7 / 30

كنتُ بالأمس أنا ونادية نمرّ من ذلك الطريق الآخر.
كانت مدرستنا الثانوية تبعد عن بيتنا بأكثر من ساعتين سيرًا على الأقدام. لم نستطع أن نُضيف أجرة المواصلات إلى نفقاتنا الشهرية.
حينها خرج أبي للتقاعد، وقال إنه سعيد، سيتمكن من الراحة أخيرًا.

كان حذائي وحذاء نادية يحتاجان للرتق مرة أو اثنتين كل شهر.
تفاخرتُ دائمًا أنني استطعت الحفاظ على حذائي من الاستبدال لسبع سنوات متتالية. عرفتُ فيه صانع الأحذية، هناك حيث كانت استراحتنا من الطريق… ومن البيت أيضًا.

كنا نجاهد كي لا نتذكر ما سنذهب إليه لنقضي ليلتنا قبل أن نتقابل في اليوم التالي فجرًا ونبدأ رحلتنا للمدرسة.
كنتُ أخاف الظلام والوحدة — كلتانا كذلك.
كنا نمضي الطريق في الحديث عمّا سنكون عليه في الغد ونضحك.
حقًا… لم نكن نتخيل هذا الغد. كنا نرى أنفسنا كبطلتنا في الفيلم الأخير أو إحدى المسلسلات التي تعلقنا بها. لم نفكر إلا في ذلك.

وحينما مرّ الوقت، كان علينا أن نختار الجامعة.
فساعدنا "سيد تنسيق" واختار بدلًا منا. لكننا شكرناه؛ فبفضله كان علينا العيش في بيت مغتربات معًا. لم نُرد أكثر من هذا.

اختاروا لنا كلية نظرية. لم نفكر إن كنا سنحبها أم لا. فقط علينا أن نتفوق؛ ينبغي أن نثبت أن تلك الأموال المهدرة على تعليمنا لا تذهب هباءً.
أعلم أن أمي أيضًا بدأت في جمع الشوار اللازم… لم نبالِ.

حصلتُ على درجات مرتفعة طوال ثلاثة أعوام متتالية.
في العام الرابع قالوا إن نادية ستعود إلى حيث مدينتنا… أو بيتنا على الأطراف.
كيف سنخبرهم؟
"لا".
نطقتْها.
لم أجادلها. لم أعرف كيف أكرهها.

بقيتُ سنتي الرابعة وحدي.
رفضتُ حضور زفافها. أخبرتُ نفسي أنها خدعتني وكذبت… قالت ستبقى، لكنها غادرت. لم تعترض، حتى لم تُكمل سنتها الرابعة.
لكني أكملتُها. وحينها كان عليّ العودة. وفي الطريق ذهبتُ إلى صانع الأحذية. كان حذاء الجامعة قد ذاب، لم يعد يصلح.
لكنني تركتُ عيني تراقبه وهو يصنع قالبًا جديدًا على مقاسي. ابتسم لي، ولم أبادله الابتسام.

قالوا إن نادية أنجبت ولدًا.
لم أذهب لرؤيتها.
لم يهتمّ أحد بغضبي.

كنتُ أسمع أمي تتباحث مع عمّتي عن الزوج المناسب.
لم تحصل واحدة من نساء الأطراف اللواتي نعيش بينهنّ على شهادتي.
ينبغي عريس يليق بهذا.
وكلما اختفى هذا "المناسب" شعرتُ بالسرور.

مع الوقت نسيتُ ما أريد.
ذهب عقلي لمكان آخر… هكذا قررت. أو هكذا أراد.
أفعل ما يفعلون، وأنصت لكلماتهم.
لا أصدّق أيًّا مما يقولون.
لا أريد أن أكون واحدة منهم.

مرّ عام ثم آخر. أنتظر تعييني بالجامعة فلا يأتي.
عملٌ تلو الآخر… آخر تلو الآخر.

سافرت نادية إلى إحدى الدول التي حسدت نساء أطرافنا عليها.
أنا لم أفعل.
ليتها بقيت هنا… حيث يمكنني رؤيتها.
قالوا إنها مبتهجة بالسفر.
سيولد الطفل الآخر هناك. ستحصل على جنسية بفضل الصغير.
ستؤمّن إلى الأبد.
وانظري أنتِ إلى نفسك: لا هذا ولا ذاك.

لماذا رحلت؟
لم تسأل. لم تتذكر.

ذهبتُ بعد ثلاث سنوات.
قيل إنها عادت في إجازة قصيرة، وحملت معها هدايا — كان عليها أن تفعل، كما قالت أمها — لبيوت الأطراف.
سمعتُ أمي تحكي وتندب أنها ليست الأم المحظوظة، ولن تحظى بهذا أبدًا.
أخذت تردد أنها تعرف من سبّبت لي هذا الحال وستحاسبها.

كنتُ أسمعها تتحدث من بعيد.
لم يعد عقلي يسمع… لقد توقّف.

قبلتُ عملًا في أحد المخازن.
كنت أمرّ على الطريق بمفردي، أودّع عليه ما أتذكره.
وجدتُ أمي مبتهجة.
قالوا: تركته… وعادت من دون صغارها.

لم أشعر بالحزن ولا الفرح.
مرّت عشر سنوات توقفتُ فيها عن الفرح أو الحزن.

وحين طرقتُ الطريق بالأمس، كنا على الطريق نفسه… نسير جنبًا إلى جنب.
وعندما مررنا بصانع الأحذية — كان قد رحل — عبرت نادية الطريق فلم تلتفت إليه.
لم أسألها عنه.

رددتُ في نفسي:
سوف تعود. سوف تعود.
لا تحتمل فراق الصغار… ولا الحياة التي صنعتها هناك.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن