الاسمُ الأوَّلُ للتلال

منذر ابو حلتم
2026 / 7 / 26

أنا...
لستُ أرضًا.
أنا الطينُ حينَ كانَ يُرتِّبُ للضوءِ سريرَهُ الأوَّل.
من كفّي خرجتْ نابلسُ...
تضعُ على كتفِ الجبلِ عباءةً من زهرِ اللوز.
ومن نبضي ارتفعَ تلٌّ...
لا كتَلَّةِ تراب،
بل كقلبٍ نسيَ أن يخفقَ إلّا للسماء.
أعرفُ وجوهَ الذينَ عبروا قبلَ أن يولدَ الحديد.
كانوا يكتبونَ أسماءَهم بأغصانِ الزيتون،
فتقرأُها الينابيعُ وتحفظُها الحجارة.
ثمَّ...
جاءَ من يظنُّ أنَّ الفأسَ أقدمُ من الجذر.
ومن يظنُّ أنَّ السورَ أطولُ عمرًا من الريح.
فابتسمتُ...
لأنَّني رأيتُ ألفَ فأسٍ تصدأ،
ورأيتُ جذرًا واحدًا يُكملُ رحلتَهُ إلى الضوء.

في تلّ...
لم يكنِ الفجرُ يطلعُ من الشرق.
كان يصعدُ بطيئًا من جذورِ الزيتون.
كأنَّ كنعانَ كلَّ صباحٍ تنهضُ لتتأكّدَ
أنَّ أبناءَها ما زالوا يحرسونَ الاسمَ الأوَّل.
وفي نابلس...
كان الجبلُ يشحذُ صمتَهُ بصخرة.
ويتركُ للريحِ أن تقولَ ما لا تقولهُ القصائد.
أربعةُ فتيانٍ...
عبروا خفافًا كأنَّهم يعيدونَ للندى ذاكرتَه.
ومنذُ ذلكَ اليوم...
صارَ القمحُ كلَّما نضجَ،
يميلُ قليلًا...
كأنَّهُ يحيّيهم.

أنا...
أحفظُ الاسمَ الذي ضاعَ من أفواهِ الآلهة.
وأعرفُ أنَّ التلالَ لا تُقاسُ بارتفاعِها...
بل بما تُخفيه من أناشيد.
لهذا...
كلُّ حجرٍ فيَّ يحملُ وجهَ راعٍ كنعانيٍّ،
وكلُّ زيتونةٍ تُخبِّئُ في جذعِها وصيّةَ أمٍّ أقدمَ من التاريخ.
أيُّها العابرُ...
لن تجدَ بابًا يدخلُ إلى هذه البلاد.
فالبلادُ ليستْ مكانًا...
إنَّها ذاكرةٌ إذا لامسَها الترابُ
أنبتتْ إنسانًا.
وإذا لامسَها الدمُ،
أنبتتْ فجرًا.
لهذا...
كلَّما ظننتم أنَّ التلالَ صمتت،
كانتْ كنعانُ
تستعيدُ
اسمَها
الأوَّل.