|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مارينا سوريال
2026 / 7 / 25
تتوقف عقارب الساعة عند العاشرة صباحاً، إنه موعدها الآن. سوف تهبط الدرج القديم؛ إنها تخاف الاقتراب من ذلك المصعد العتيق، لا تدري كم عمره. تتذكر أنها كانت دوماً تسأل والدها عن ذلك، فكان يضحك ساخراً: أطول من عمر والدك.
لا يزال جمعة نائماً، تشفق عليه. زاد عليه المرض، ورحلت زوجته حاملةً معها الأبناء فيما عدا ابن وحيد قرر البقاء مع أبيه في غرفة البدروم. تتذكر يوم أتى من بلدته للمرة الأولى، كان شاباً لا يزال صغيراً، لا تزال لكنته الريفية حاضرة. كان يستكشف عالم مدينة البحر للمرة الأولى؛ يبدو منبهراً أحياناً، وأخرى غير مكترث. لم يحب طعامها. لم يمضِ الكثير من الوقت قبل أن تأتي زوجته لتعيش معه في غرفته الصغيرة المنخفضة عن المصعد. عاماً بعد الآخر أصبح له الكثير من الصبية والفتيات، لم تعد تتذكر أسماء أيٍّ منهم، ربما هي ذاكرتها. تحولت ملامحه من الانبهار إلى التعب والسخرية وهو يحمل صندوق القمامة، مشروعه الخاص الذي جعله يعرف كل شاردة وواردة عن سكان ذلك الشارع العتيق.
لسنوات طويلة تمنت لو كان ذلك الدرج أفضل قليلاً. تسمع صوت خفقات قلبها بينما تفتح الباب على مصراعيه لتتلقى الهواء... هواء البحر. الشارع المتسع، وصوت الترام القديمة يحلّ من بعيد قاطعاً نصف الشارع، إنه يمضي على هَدْي. زفرت في راحة وهي تفتح باب سيارتها العتيقة التي تثير سخرية كل زملائها في الجامعة؛ الكل استبدلها بأفضل وأحدث، فيما عدا هي. تذكرت كم احتاجت من الوقت حتى تجمع ثمنها. تراقب من بعيد الراكضين وهم يلهثون في ذلك الصباح للحاق بالترام التي تتهادى ببطء وثِقَل. يمدّ الشباب سيقانهم ويقفزون بخفة، بينما تقف بعض السيدات حائرات في انتظار أخرى قادمة بعد وقت مجهول؛ فلا أحد يعرف متى تأتي وترحل: ربما نصف ساعة، ساعة، وربما لا تأتي بفعل عطل مفاجئ مجهول. إنه فقط يوم جديد عادي.
في الحادية عشرة وصلت. صوت الازدحام، صوت الطلاب الكثيف. كانت تختنق من الازدحام... لكنه المدرج الوحيد، إذ لا يوجد آخر من الأساس. كم العدد تلك المرة؟ نسيت. بعضهم يجلس على الأرض، والآخر ربما على النوافذ. لا أحد يكترث، حتى هي توقفت منذ زمن عن الاكتراث. كانت تتحدث عمّا أحبّته فيما مضى وكرّست له حياتها. يضحكون... أصوات رنّات هاتف، همسات، رائحة قهوة وسجائر. لا أحد يهتم.
تأتي الساعة الثانية عشرة والنصف، تحمل حقيبتها وتخرج مسرعة وكأنها تهرب من كل شيء. تتجه إلى المصعد؛ ذلك المصعد لا يبدو عتيقاً مثل الآخر، لا تخشى أن يسقط أو يتحطم. في غرفتها الآن تجلس وكأن نصف عبء الحياة اليومية قد انتهى. وسط أوراقها ستغرق، وهي تسمع صوت صخب الطالبات في الخارج: ضحكات، حديث، همس، حركة... حركة في كل مكان.
أوراق الشجر البلاستيكية... إنها تكرهها، لِمَ لا يستبدلونها بأخرى ذكية؟ تراقب المكتب الآخر الخالي منذ سنوات. كانت تجلس عليه رفيقتها الوحيدة، كانتا متماثلتين في كل شيء. وفي لحظة قررت الرحيل؛ اتخذت ذلك القرار دون أن تخبرها. أنهت بعض الأوراق وتركت الكثير من الأوراق المعلّقة: أسماء، عناوين كتب، صحف. سمعت أنها رحلت بعيداً، سعدت وتأسفت. قالوا إنها بخير تارة، ثم قالوا إنها أصيبت بذلك المرض اللعين. حين رحلت عن عالمنا لم يكترث أحد. انتظرتهم أن يفعلوا، لكن اليوم مضى ولم يهتم أحد بالخبر. وحين قررت طرحه في ذلك الاجتماع كانت الإجابة همهمات. كم مضى من الوقت؟ ربما سنوات أو أشهر... لا أحد يتذكر. وما الفارق؟
صوت يهمس في ملل: "اجتماع. اجتماع آخر." تراقب السماء من النافذة، تراقب السماء من النافذة...
الساعة الرابعة عصراً. تعود حيث بدأ كل شيء. تقف السيارة أمام بوابة البناية القديمة الضخمة. ترتفع رائحة الفطائر والمعجنات من ذلك المحل الشهير الملاصق لهم دوماً. يحضر لها الفطيرة المفضلة، إنه يعرفها. لا يزال جمعة غير مكترث، أصابه الشيب تصعد سلالمها العتيقة تفكر: متى نتخلص من ذلك المصعد القديم؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |