|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
أمين أحمد ثابت
2026 / 7 / 24
ظللت تعبر الجهات كأن الريح تستعير خطاك ، تحمل على كتفيك معطفك الناري العتيق - كان اشبه بجمرة أبت أن تنطفئ بعدما بردت مواقدها – أمضي الان لا لأن الطريق تعرف اسمك ، بل لأن الوقوف صار اسما آخر للهلاك - وكلما أوهمك الأفق أن نافذة انفتحت ، تنهض في وجهك جدران تبنى بالخوف ، تمد المسافات أصابعها الباردة إليك . . حتى صار الهواء يحتاج إلى إذن ليعبر صدرك .
لم تكن تفتش عن مدينة تتسع لخطوك ، بل عن بقعة صغيرة . . لا يرتجف فيها القلب . . كلما نطق اسم وطن - كنت تبحث عن ظل شجرة لا تسأل العابرين من أي الجهات جاؤا ، أو بأي خسارات امتلأت حقيبتهم ، عن نافذة ترى الإنسان قبل رؤية أوراقه ، وعن سماء تعرف أن الطيور لم تولد وفي أجنحتها تأشيرة للعبور – مثلك . . حين أوقفتك الوجوه المصنوعة من صقيع القوانين - سألتك عن العلامات المرسومة على الورق ، عن الختوم المحفورة ، ولم تسألك عن الخرائط التي تهدمت في داخلك ، أو عن المدن التي تحولت إلى رماد يسكن الذاكرة ، ولا عن الطفل الذي خرج ذات صباح يطارد فراشة بيضاء صادفها في الطريق ، فعاد يحمل على كتفيه وطنا صار أثقل من الجبال.
كنت قد قلت لهم ، بصوت يشبه ورقة نجت من الحريق - إني لا أغادر ترابا ، بل موتا غادرته يتقن تبديل الأقنعة - لكن الكلمات سقطت أمامهم كقطرات مطر فوق صخور لا تعرف الاستماع - كانوا يرون في الوجوه أرقاما ، في الروح حقيبة ، وفي القلوب ملفات تنتظر الختم الأخير
دفعت إليهم جوازا أنهكه الانتظار ، حتى بدا كغصن يابس عبر فصولا من الريح ، جوازا حفظ أسماء المطارات أكثر مما حفظ اسمك ، وتشرب دموعك أكثر مما تشرب الحبر في صفحاته - نظروا إليه كما ينظر المساء إلى آخر خيط من الضوء ، ثم تركوك في مساحة يتساوى فيها الوقت مع الجدار ، فعرفت أن القيود ليست ما يطوق المعصمين ، بل ما يجعل الإنسان مطالبا كل صباح بأن يبرهن على إنسانيته .
ترحلت هذه المرة هاربا دون تأشيرة دخول ، وجدتك في صحراء لا ينتهي رملها ، كأن الأرض نزعت عنها الذاكرة ، وكانت الشمس مطرقة من نار تدق النهار فوق رأسك - لم يكن يرافقك سوى عطش يكبر داخلك مثل شجرة تيبست جذورها بلا ماء ، وخطوات تتكسر على الحصى كما تتكسر المرايا فوق ملامح الكهول – حتى مر بك رجل يشبه الأزمنة الأولى ، كان يحمل في عينيه اتساع النجوم ، وفي صمته حكمة الرمل - سألك إلى أين المسير ، اجبته كل الجهات تشبه بعضها . . حين يفقد القلب بيته - إني أبحث عن وطن بديل . . لا يزن الدموع بميزان الجنسية ، وطن إذا دخلته الأشجار بادرت إلى السلام قبل المكاتب ، وإذا عبرته الرياح لم تسألها الحدود عن أوراقها - قادني بين كثبان تعرف أسرار الغياب ، وكانت الليالي تفرش فوقنا قناديل النجوم ، كأن السماء تحاول أن تعتذر عن ضيق الأرض فيما أصابها من وبال - وحين افترقنا ، ترك في يدي طريق أمل أكثر مما هو مرسوم بالحبر ، وقال إن الخرائط التي تحفظ الأرواح لا تصنعها الدول ، بل يرسمها الإنسان حين يرفض أن ينطفئ - فتشت جيبك ، فلم تجد سوى بضع وريقات دولار قليلة ترتجف بين أصابعك ، كأن الفقر نفسه صار كائنا يخاف البرد - لم تكن تكفي لشراء ليلة آمنة ، لا لرغيف يرمم صدع الجوع ، فصرت تقتات من ما يتساقط من الرحمة ، تارة تفترش ظل الجسور ، وأخرى تتوسد صلابة الأرصفة ، فيما كانت المدن تضيء نوافذها للآخرين ، وتطفئها كلما مررت بقربها .
ثم وصلت إلى أرض يجتمع فيها من لفظتهم الطرق - كانت الوجوه هناك تشبه خرائط قديمة محتها مياه السيول ، والعيون آبارا نسيت أسماء مائها – تقاسمنا حينها كسرة الخبز . . يقاسمنا الصمت في الضياع ، كان الصمت وحده لا تحتاج إلى مترجم بيننا الغرباء ، وكان كل واحد يحمل في قلبه وطنا صغيرا ، لكنه كلما حاول أن يفتحه، تناثرت منه الذكريات مثل رماد لا تستطيع الريح أن تعيده إلى شجرته الأولى .
منذ ذلك ، تظل تنظر إلى الزمن كما تسمر آخر مصباح إلى العاصفة ، تراقب الأيام تعبر فوق الرؤوس كأسراب لا تعرف الالتفات ، حتى أدركت أن المنفى ليس المسافة بين مكانين، بل بين عالمين ، عالم قلب يريد أن يؤمن بالحياة ، وعالم ينسى في كل صباح أن الحياة حق وليست منحة تعطى - لذا ما زلت تمضي ، تحمل جمرة لا تعرف كيف تطفئها ، وترفع وجهك إلى السماء فتراها تجيد الصمت أكثر مما تجيد المطر - وتمشي كأنك سؤال تركه الوجود معلقا بين الريح والعدم، فلا باب يناديك باسمك ، ولا مدينة تحفظ ملامحك ، ولا حدود تتذكر أن الأرض خلقت لتتسع للخطى كلها ، وأن الإنسان لا يحتاج إلى أكثر من بقعة صغيرة يعترف فيها الضوء بأن قلبا واحدا يكفي ليمنح للكون معنى.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |