|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 7 / 22
ثمة سؤالٌ صغيرٌ بحجم مصباحٍ معلقٍ في سقف غرفةٍ فقيرة، لكنه أكبر من جميع خطابات السياسيين وأكثر صدقاً من آلاف المؤتمرات الصحفية: لماذا يخاف وطنٌ غنيٌّ من إضاءة بيوت أبنائه؟ فمنذ أربعةٍ وعشرين عاماً والعراق يخوض حربه الخاسرة مع مفتاح الكهرباء. أربعةٌ وعشرون عاماً من تبدل الوجوه وبقاء الظلام في مكانه، وكأن المشكلة لم تكن في الأسلاك والمحطات، وإنما في العقل الذي يدير الدولة ويعيد إنتاج الفشل بمهارةٍ تكاد تكون معجزة.
في العراق، لم تعد الكهرباء ملفاً خدمياً، فقد تجاوزت ذلك منذ زمن طويل. إنها جهاز كشف الكذب الوحيد الذي ما زال يعمل بكفاءةٍ عالية. بضغطة مفتاحٍ واحدة يسقط خطابٌ سياسيٌ كامل، وتنهار مئات التصريحات، وتتعرى عشرات الوعود. المصباح الصغير الذي يفشل في الإضاءة أكثر بلاغةً من ألف خطيبٍ يقف فوق منصة الحكم.ثمة شيءٌ يستحق التأمل حقاً؛ فالدول تكبر بمقدار ما تمنح شعوبها من حياة، أما نحن فقد أصبحنا نكبر بمقدار ما نتحمله من الحرمان. العالم يقيس رفاهية الإنسان بسرعة الإنترنت وجودة الخدمات، أما العراقي فيقيس رفاهيته بعدد ساعات الكهرباء، حتى صار امتلاك أربعٍ وعشرين ساعة تجهيز إنجازاً وطنياً يستحق الاحتفال.من المؤسف أن العراقي لم يعد يسأل عن الكهرباء، وإنما عن عمره الذي ضاع وهو ينتظرها. فالذي وُلد عام 2003 صار اليوم رجلاً يحمل شهادةً جامعية، وربما أصبح أباً أيضاً، وما زال يسمع العبارة نفسها: الحل قريب. أما هذا "القريب"، فقد شاخ قبل أن يصل إلينا.أربعةٌ وعشرون عاماً تكفي لتغيير خرائط اقتصادية في العالم، وتكفي لأن تتحول بلدانٌ خرجت من الحروب إلى قوى اقتصادية عظمى، لكنها تحولت عندنا إلى أربعةٍ وعشرين موسماً لصناعة الأعذار. الأعذار وحدها كانت تُنتج بكفاءةٍ عالية، أما الكهرباء فقد بقيت مشروعاً مؤجلاً ينتقل من حكومةٍ إلى أخرى كما تنتقل الوصايا القديمة.ثمة فلسفةٌ غريبةٌ تحكم هذا البلد؛ فكلما ازدادت ثرواته، ازداد فقر خدماته، وكلما ارتفعت أسعار النفط، ارتفعت معها درجات الخيبة. حتى أصبحت المولدات الأهلية جزءاً من الهوية البصرية للمدن العراقية. السائح الذي يزور العراق لن يسأل عن عدد محطات الكهرباء، وإنما عن عدد المولدات التي نجحت في هزيمة الدولة.المولدة الأهلية لم تعد آلةً ميكانيكية، وإنما تحولت إلى شاهد عدلٍ يقف كل مساء ليقرأ على الناس فصول القضية كاملة. فوجودها اعترافٌ يوميٌّ بأن الدولة ما زالت عاجزةً عن أداء أبسط واجباتها. إن كل مولدةٍ في العراق هي نسخةٌ مصغرةٌ عن وزارةٍ فشلت في أداء وظيفتها.أما المليارات التي أُنفقت، فقد أصبحت رقماً محرجاً حتى للأرقام نفسها. أموالٌ تكفي لبناء منظوماتٍ كهربائيةٍ لبلدانٍ عديدة، لكنها لم تكن كافيةً لإضاءة بيتٍ صغيرٍ في أقصى الجنوب أو أقصى الشمال. وكأن الأموال كانت تعرف الطريق إلى جيوب الفاسدين أكثر مما تعرف طريقها إلى المحطات الكهربائية.أما شبع السراق؟ سؤالٌ أخجل من طرحه على التاريخ، لأن الذي يسرق قوت شعبه يستطيع أن يسرق ضوءه أيضاً.والذي ينام في بيتٍ لا تنطفئ فيه الكهرباء، بينما يختنق الأطفال من حرارة الصيف، يمتلك من القسوة ما يكفي لإطفاء مدينةٍ بأكملها. السراق وحدهم يملكون كهرباءً لا تخضع لجداول القطع، ووحدهم يعرفون كيف يجعلون الظلام مشروعاً استثمارياً ناجحاً.خرج أبناء المحافظات العراقية إلى الشوارع أكثر من مرة، حاملين أصواتهم وأحلامهم الصغيرة، مطالبين بالماء والكهرباء والكرامة، فعادت أصواتهم محمولةً بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات. حتى بدا المشهد أكثر عبثيةً؛ شعبٌ يطالب بمصباح، وسلطةٌ تستقبله بالعصي.إن أكثر ما يخيفني في هذه الحكاية أن العراقي بدأ يتصالح مع المأساة.فالكارثة عندما تتكرر تتحول إلى عادة، والعادة تتحول مع الزمن إلى ثقافة، والثقافة تتحول إلى قدر.وعندها يصبح انتظار الكهرباء جزءاً من تكويننا النفسي، ونصبح نحن الحراس المجانيين لعجز الدولة.الحل لا يبدأ بالمحطات الكهربائية، وإنما يبدأ بإعادة تعريف معنى الدولة. فالدولة التي تعجز عن حماية حق الإنسان في الضوء تحتاج إلى أن تسأل نفسها أولاً: ماذا بقي من معنى وجودها؟ وما قيمة السلطة إن كانت عاجزةً عن إضاءة بيت فقير؟.. ويبقى السؤال الذي أضعه فوق طاولة هذا الوطن: كم سنةً أخرى يحتاجها العراق ليضيء مصباحاً؟ ثلاثون؟ خمسون؟ أم أن المشكلة لم تكن يوماً في الكهرباء، وإنما في الذين اكتشفوا أن الظلام أكثر ربحاً من النور؟.. ربما تخاف بعض الدول من الحروب، وتخاف أخرى من الفقر، أما نحن فقد ابتلينا بدولةٍ تخاف من مصباح.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |