ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟

حسين سالم مرجين
2026 / 7 / 22

في كثير من الأحيان، يميل الآباء أثناء التنشئة والحوار مع أبنائهم إلى استدعاء سرديات تمجّد ماضيهم الدراسي؛ بادعاء التفوق الدائم والتميز المطلق، ومحاولة طمس أي عثرات أو إخفاقات سابقة. وكأنهم يقدمون أنفسهم كنماذج مثالية منزهة عن الخطأ. تأتي هذه المقدمة في سياق الحديث مع والدي (حفظه الله)؛ والذي كان مختلفًا في مقاربته التربوية؛ إذ واجهني بحقيقة طفولتي ومسيرتي المبكرة التي تخللتها عقبات دؤوبة. فلم أكن يومًا من الأوائل ولا من فئة المتميزين بالمعنى التقليدي.
إنني لا أتحرّج مطلقًا من رصد هذه الواقعية؛ فقد كانت هناك مواد دراسية أنفر منها، وأخرى أقبل عليها بشغف. كما ارتبطت ذكرياتي بمعلمين تمنيت لو لم يدرسوني؛ مما انعكس سلبًا على تقبلي لمقرراتهم، وبالمقابل، أسهم معلمون آخرون في ترغيبي بمقرراتهم بفضل إتقانهم لأساليب التدريس. والأهم من ذلك أن هذه العثرات لا تشكل لي أي غضاضة أو انزعاج؛ بل هي جزء من هويتي وتجربتي الواقعية. وهي ذات الحقائق التي أحرص على نقلها ومشاركتها مع أبنائي اليوم كلما مرّوا بأي أزمات في مسيرتهم التعليمية؛ لتعزيز مقاومتهم في مواجهة الواقع.
في سياقٍ تربويٍّ آخر، يبدو من الأهمية بمكان سرد تلك السِيَر والذكريات للأبناء بكل موضوعية وعقلانية؛ ليتسنى لهم استيعاب حقيقة أن مسيرة التعليم، بل وتجربة الحياة برمتها، لا تسير على وتيرة واحدة من النجاحات المطلقة كما يدّعي بعض الآباء. فالواقع الإنساني يتأرجح بين إنجازات باهرة وإخفاقات قد تكون أحيانًا قاسية ومحبطة.
إن إصرار الآباء على ادعاء التميز الدائم واحتكار الفوز يضع الأبناء في حالة من الاختلال القيمي والاضطراب النفسي؛ إذ يدفعهم ذلك للاعتصام بمسوغات واهية وأكاذيب لتبرير عثراتهم الطبيعية، متسائلين بإنكار: كيف يمكن أن يفشل من كان أبوه نموذجًا خارقًا ومتفوّقًا باستمرار؟
بالمقابل، فإن البوح الشجاع بتلك السرديات الواقعية للأبناء يسهم بشكلٍ حاسم في مأسسة آليات التفكير لديهم، وتدريبهم على كيفية تجاوز الأزمات الناجمة عن تحديات المنظومة التعليمية أو آليات التعلّم. وحينها، لن تصبح إخفاقات الآباء مجرد ذكريات عابرة؛ بل ستتحول إلى نقطة ارتكاز للتأمل، ومحورٍ للمقاومة والتكيف في مواجهة أي عثرات مستقبلية.
ويقودنا هذا السياق التربوي إلى إشكالية فكرية وتاريخية أوسع تُكرّسها بعض الأدبيات والقصص الموروثة التي تحاول ترسيخ صورة ذهنية مشوّهة في عقولنا؛ مؤداها أن الصحابة حول الرسول صل الله وعليه وسلم كانوا جيلًا من البشر يختلفون تمامًا عن طبيعتنا الإنسانية، كائناتٌ منزهة عن الخطأ والعثرات.
إن هذه القراءات الانتقائية تُغيب الجانب الإنساني في سيرهم، وتخفي حقيقة أنهم مرّوا بظروف قاسية، ووقعوا في زلات وهفوات بشرية طبيعية.
لكن الميزة الجوهرية التي ميزت ذلك الجيل الفريد لم تكن العصمة، بل شجاعتهم في مواجهة تاريخهم الشخصي دون وجلٍ أو مواربة، واعتبار تلك الهفوات نقاط ارتكاز للانطلاق نحو التطهير والارتقاء الأخلاقي. ويتجلى هذا بوضوح في موقف الصحابي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع الصحابي بلال بن رباح، حين عيّره بابن السوداء؛ فلم يتردد في نقل هذه الواقعة بكل أبعادها الإنسانية، ولم يخفِ تقريع الرسول صل الله وعليه وسلم له حين قال: إنك امرؤ فيك جاهلية. بل إن شجاعته بلغت ذروتها في رغبته الصادقة للاعتذار وإصلاح الخطأ، ليعلّمنا درسًا بليغًا في كونه إنسانًا يصيب ويخطئ، وليس ملكًا مقربًا كما تحاول بعض القراءات النمطية تصويره.
إن ما يقدمه لنا أبو ذر هو تجسيد حيّ لواقعية الحياة الإنسانية، والتي تشبه في تذبذبها هبوطًا وصعودًا مؤشرات نبض القلب؛ فالأصل ليس النقاء المطلق من الذنوب، بل امتلاك الوعي والاعتراف بالخطأ فور وقوعه، ورفض الاستمرار فيه. وهذا هو المنظور التربوي الأصيل الذي يجب أن نستحضره عند قراءة السير الجليلة: فالإنسان قد يخطئ وقد يصيب، بيد أن الكارثة الحقيقية تكمن في محاولة طمس الحقائق، واستبطان وهم الصواب الدائم واحتكار الحقيقة المطلقة دون الآخرين.
تأسيسًا على ما تقدّم، غدونا مطالبين اليوم بممارسة الصدق والمكاشفة مع أنفسنا، قبل أن نطالب أبناءنا بالصدق معنا ومع الحياة. إن جعل سرديات واقعنا المعيش طريقًا مجرّبًا هو السبيل الأمثل ليتزود الأبناء بمَشارِب التعلم، وفلسفة الحياة، ومفاتيح فهم النجاح والإخفاق على حدّ سواء.
فالإخفاقات ليست عيبًا ولا وصمة سوداء نجهد في إخفائها؛ بل هي عتبات اتكأنا عليها كآباء للّصعود نحو التميز أو الانعتاق من عثراتنا.
ومن ثمّ، يجب أن نتوقف عن نسج هالات الوهم حول شخصيات الآباء بتصويرهم في حالة تفوق دائم وصعود مستمر. فالواقع يؤكد وجود عثرات شكّلت أحجار ارتكاز مكنتهم من الارتقاء في مدارج الحياة.
إن ما يحتاجه أبناؤنا هو استيعاب ثقافة المقاومة المستمرة لتلك العقبات، لا الاستماع إلى قصص واهية عن نجاحات متخيلة تحققت عبر مصعد افتراضي لا يمر بسلالم الجهد، ولا يعرف عثرات الطريق.
إن هذه السرديات الواقعية في تقديري هي الزاد الحقيقي لبناء مناعة الأبناء. إنها أشبه بـكرات الدم البيضاء في المنظومة الاجتماعية والنفسية: تُسلحهم بالقدرة على مواجهة فيروسات الحياة، والتغلّب على أعتى الأزمات.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن