في الستين

منذر ابو حلتم
2026 / 7 / 20

بلغتُ الستين.
لا أحدَ صفق.
حتى ظلي
تأخرَ قليلًا،
كأنه يبحثُ
عن رجلٍ آخر.

───

الستون...
طائرٌ
أكلَ السماء،
ثم وقفَ
ينقرُ قلبي
بمنقارٍ من ساعات.

───

أمشي.
فتتبعني
الكراسي.
الأبوابُ القديمة.
العصيُّ
التي لم أمسكها.
وأعمارٌ
خلعتها
كما تُخلعُ القمصانُ
المبتلة.

───

في رأسي
نافذةٌ
تطلُّ
على طفلٍ
ما زال يركض.
كلما ناديتُه
كبرتِ المسافة.
وصغرَ الصوت.

───

أمي...
لا أراها.
لكنَّ الملحَ
حين يقعُ
على الخبز،
يرفعُ وجهها.
وأبي...
كلما فتحتُ ساعةً
خرجَ منها
يمسحُ الغبارَ
عن الوقت.

───

الوقتُ
نجّارٌ مجنون.
يصنعُ من ضلوعي
سُلّمًا.
ثم يصعدُ.
ويتركني
في الأسفل.

───

تعلمتُ
أن القلبَ
ليس عضلة.
بل غرفةُ انتظار.
يدخلها الأحبةُ
بأسمائهم.
ويغادرون
بنبضهم.

───

في الستين
تصيرُ الذاكرةُ
شجرةً
تثمرُ مفاتيح.
ولا باب.

───

أنامُ.
فتبدّلني الأحلامُ
بشخصٍ
يشبهني.
أستيقظُ.
وأقضي النهارَ
أقنعُ المرآةَ
أنها أخطأت.

───

كم ميتًا
يحملني؟
لا أعرف.
كلُّ وداعٍ
دفنَ عظمةً
في جسدي.
لهذا
أصدرُ
هذا الصوتَ الخفيف
حين أضحك.

───

أضحكُ...
فتتطايرُ
من فمي
طيورٌ
من زجاج.
أبكي...
فتسبحُ
في دموعي
نجومٌ
نسيتْ
سماءها.

───

الحياةُ
خيطُ دخان.
كلما قبضتُ عليه
تحولتْ يدي
إلى مدخنة.

───

يا للعمر.
كلُّ هذه السنوات
كانتْ
تخيطُ معطفًا
للريح.
وأنا
أظنه
ثوبي.

───

في الستين
لا يموتُ الخوف.
فقط
يغيّرُ اسمه.
يصيرُ كرسيًا
فارغًا.
أو هاتفًا
لا يرنُّ.
أو بابًا
يعرفُ
أن أحدًا
لن يطرقه.

───

أصدقائي...
نجومٌ
تعلمتْ
أن تضيءَ
تحت التراب.
كلما ذكرتُ أسماءهم
أضاء الليلُ
من الداخل.

───

أنا غريب.
ليس لأن الأرضَ
واسعة.
بل لأن روحي
بدّلتْ جلدَها
مراتٍ كثيرةً،
حتى صارَ اسمي
فضفاضًا
على لساني.

───

الآن
إذا صافحتُ الريحَ
عرفتني.
إذا صافحتُ الناسَ
سألوني:
من أنت؟

───

أجلسُ
إلى جوارِ المساءِ.
نشربُ
الشايَ نفسه.
هو يبردُ
ببطء.
وأنا
أبردُ
ببطءٍ أجمل.

───

بلغتُ الستين.
وصرتُ
خفيفًا.
خفيفًا
إلى درجةِ
أن الموتَ نفسه
كلما مرَّ بي
ابتسمَ...
ومضى.
كأنه
لا يريدُ
أن يوقظَ
هذا الحلمَ
الواقفَ
على عكازٍ
من ضوء.