العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.

حامد الضبياني
2026 / 7 / 20

لم يسقط العراق يوم عبرت فوق أرضه جيوش الغزاة، ولم يمت يوم احترقت مدنه وتكسّرت أبوابه، فالأوطان التي أنجبت التاريخ لا تُهزم بسهولة، لأنها تتكئ على أعمار شعوبها لا على أعمار حكّامها، غير أن المأساة الأكثر قسوةً أن يقف الوطن أمام مرآته فلا يتعرّف إلى ملامحه، وأن يبحث عن نفسه في وجوه الذين أقسموا باسمه فلا يجد سوى ظلالٍ باهتةٍ لأوطانٍ أخرى تسكن أرواحهم. إن الخراب الحقيقي لا يبدأ مع أول رصاصة، وإنما يبدأ مع أول خيانةٍ صغيرةٍ للمعنى، عندما يصبح الوطن اسماً يُتلى في الخطب الرسمية، بينما يُنفى من الضمائر، وعندما تتحول الوطنية من عقيدة أخلاقية إلى تهمةٍ سياسية يدفع أصحابها ثمن شجاعتهم عزلةً وتهميشاً وإقصاءً متعمداً عن صناعة مصير بلادهم.ليس ثمة ما هو أكثر إيلاماً من وطنٍ يمتلك من الثروات ما يكفي ليُضيء أحلام أبنائه، ثم يعجز عن أن يمنحهم وطناً يليق بأحلامهم. فالعراق الذي علّم البشرية كيف تكتب قوانينها الأولى، وأهدى العالم أول أبجديةٍ للحياة، يقف اليوم مثقلاً بأسئلة أطفاله الذين لم يجدوا في خزائنه العامرة سوى الفقر، وفي مؤسساته سوى الانتظار الطويل، وفي خطابات ساسته سوى المزيد من المواعيد المؤجلة. لقد أصبح العراقي يشيخ وهو ينتظر وطناً وعدوه به كثيراً ولم يصل إليه قط، حتى صارت أعمار الناس تقاس بعدد الخيبات التي حملوها معهم من موسمٍ سياسي إلى آخر.ولعل أخطر ما أصاب العراق أن أبناءه الوطنيين لم يغادروا المشهد السياسي فحسب، بل غادرت معهم المعاني الكبيرة التي كانت تمنح السياسة قدراً من شرفها الإنساني. فالوطنية ليست شعاراً يُرفع فوق الجدران، بل هي ذلك الألم النبيل الذي يجعل الإنسان يخجل من أن يسرق رغيفاً من فم طفلٍ عراقي، أو يقتطع يوماً من عمر شيخٍ ينتظر دواءه، أو يؤجل حلماً لشابٍ يحمل شهادته بين يديه ويقف طويلاً أمام أبواب البطالة المغلقة. وما دام الوطن لا يسكن قلب السياسي فلن يسكن قراراته، لأن الذين لا يحملون العراق في ضمائرهم لن يحملوه إلى المستقبل مهما ازدحمت خطاباتهم بالمفردات المنمقة.لقد أُقصي الوطنيون لأن السلطة التي تفقد أخلاقها تخاف أصحاب المبادئ أكثر مما تخاف خصومها، فالوطني لا يُجيد ارتداء الأقنعة، ولا يعرف كيف يقايض ضميره بمنصب، ولا يستطيع أن يُغيّر مواقفه مع تغيّر اتجاهات المصالح. ولذلك كان لابد من صناعة طبقةٍ جديدةٍ من الساسة لا تُرهقها الأسئلة الأخلاقية، ولا تُثقلها ذاكرة الأوطان، طبقةٍ تستطيع أن تنام فوق أكوام الخراب وهي تُقنع نفسها بأنها صنعت المعجزات. وهكذا أصبح الوصول إلى السلطة رحلةً طويلةً من التنازلات الصغيرة التي تنتهي بالتنازل الأكبر عن الوطن نفسه.أما الغوغاء فلم يكونوا سبب الخراب وحدهم، بل كانوا نتيجته أيضاً، لأن الخراب يبدأ دائماً باغتيال الوعي، وحين يُغتال الوعي يصبح أكثر الناس فراغاً أكثرهم تأثيراً، ويغدو الضجيج بديلاً عن الفكر، ويتحول التصفيق إلى ثقافةٍ سياسية تُقاس بها الأحجام والأدوار. لقد نجحوا في تحويل الوطنية إلى خطابٍ موسمي، والكفاءة إلى استثناءٍ نادر، حتى أصبح الشريف بحاجةٍ إلى ألف شاهدٍ ليُثبت نزاهته، بينما يكفي الفاسد أن يُغيّر ربطة عنقه وخطابه السياسي ليولد من جديد فوق منصةٍ أخرى.
ولم تُهدر ثروات العراق لأنها كانت كثيرةً فحسب، بل لأنها وقعت في أيدي الذين لم ينظروا إليها يوماً بوصفها حقاً لأطفال هذا الوطن. فالثروة بالنسبة للوطني مشروع نهضةٍ إنسانية، وبالنسبة لغيره مشروع حساباتٍ مصرفيةٍ وأرصدةٍ عابرةٍ للحدود.ولذلك لم يُسرق النفط وحده، بل سُرقت معه سنوات العراقيين وأحلامهم وأعمارهم. سُرق صوت الفلاح الذي انتظر ماءً لأرضه، وصوت المعلم الذي انتظر كرامةً لمهنته، وصوت الشاعر الذي انتظر أن يعود العراق قصيدةً تليق بتاريخه، وصوت الأم التي ما زالت تضع يدها على باب بيتها كلما تأخر ابنها عن العودة وكأنها تخشى أن يكون الوطن قد أخذه منها مرةً أخرى.إن الأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى بالمعنى، وحين يموت المعنى تتحول المدن إلى جدرانٍ بلا أرواح، وتصبح المؤسسات أبنيةً شاهقةً تسكنها الخيبات الصغيرة. وما الذي خسره العراق أكثر من خسارته لمعنى الدولة؟ لقد أصبحت الدولة في وعي كثيرين فرصةً للاستحواذ لا مسؤوليةً أخلاقية، وغدت المناصب مكافآتٍ سياسية لا تكاليف وطنية، حتى بدا الوطن وكأنه يقف وحيداً في آخر الطابور منتظراً أن يتذكره الذين يتحدثون باسمه.ومع ذلك فإن العراق لم يكن يوماً وطناً عقيماً عن إنجاب الرجال، فكما أنجب الذين كتبوا حضارته الأولى فإنه ما يزال قادراً على إنجاب الذين سيكتبون نهضته القادمة. إن التاريخ لا يمنح الخلود إلا للأوطان التي تُحسن النهوض بعد انكساراتها، والعراق لا يحمل فوق كتفيه بضعة عقودٍ من الخراب، بل يحمل فوقهما سبعة آلاف عامٍ من القدرة المدهشة على استعادة ذاته كلما ظنَّ العابرون أنهم نجحوا في اغتيالها. سيأتي الزمن الذي يكتشف فيه العراقي أن الوطن لم يكن حلماً مستحيلاً، بل كان ضحية الذين جعلوا من السياسة مهنةً للغنائم لا رسالةً للأخلاق. وسيكتشف الذين أرهقوا هذه الأرض أن التاريخ أكثر عدالةً من المحاكم جميعها، فهو لا يحفظ عدد القصور التي شُيّدت، وإنما يحفظ عدد القلوب التي جُبرت، ولا يتذكر حجم الثروات التي نُهبت، وإنما يتذكر الذين رفضوا أن يبيعوا أوطانهم مهما كان الثمن.
ويبقى العراق أكبر من الخيبات جميعها، لأنه لم يكن قطعةً من الأرض فحسب، بل فكرةً إلهيةً عن المعنى الإنساني للحضارة، وما دام في هذه الأرض قلبٌ عراقيٌ واحدٌ يخفق بحبها، فإن الخراب سيبقى حادثةً عابرةً في كتابها الطويل، أما العراق فسيظل اسماً آخر للحياة.