|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 7 / 20
إذا كان القرن العشرون قد أنجب مفكرين سعوا إلى بناء يقين ثوري، فإن دانييل بنسعيد كان من بين القلائل الذين حاولوا إنقاذ الماركسية من اليقين نفسه. لم يكن همه الدفاع عن تراث جامد، ولا ترميم أطلال تجربة انهارت، بل إعادة اكتشاف الروح النقدية التي جعلت من الماركسية، في أصلها، منهجا مفتوحا لفهم العالم وتغييره.
حين انهار الاتحاد السوفياتي، بدا لكثيرين أن الماركسية قد انتهت. لم يكن سقوط نظام سياسي فحسب، بل انهياراً لرؤية كاملة للتاريخ. خرج منظرو الليبرالية يعلنون "نهاية التاريخ"، بينما وجد جزء كبير من اليسار نفسه بين خيارين: إما الدفاع عن الماضي بكل تناقضاته، وإما الاستسلام الكامل للرأسمالية المنتصرة. لكن بنسعيد رفض هذا الابتزاز الفكري. فقد رأى أن انهيار البيروقراطية السوفياتية لا يعني سقوط نقد ماركس للرأسمالية، تماماً كما أن سقوط الكنيسة في لحظة تاريخية لا يعني نهاية الإيمان الديني.
كان السؤال الذي شغله هو: كيف يمكن أن تظل الماركسية حية بعد انهيار التجربة التي ادعت تمثيلها؟
لم يبحث عن الجواب في النصوص المقدسة، بل في العودة إلى ماركس نفسه. غير أن هذه العودة لم تكن عودة إلى ماركس الأرثوذكسي الذي اختزل التاريخ في قوانين حتمية، وإنما إلى ماركس الذي كان يعتبر التاريخ فضاء للصراع والإمكان. ولذلك خاض معركة فكرية ضد كل أشكال الحتمية التاريخية التي حولت الاشتراكية إلى نتيجة مضمونة لتطور الرأسمالية.
كان بنسعيد يعتقد أن الرأسمالية لا تسقط وحدها، وأن الأزمات الاقتصادية، مهما بلغت حدتها، لا تنتج تلقائيا بديلا اشتراكيا. فبين الأزمة والثورة توجد السياسة، والتنظيم، والوعي، والموازين الاجتماعية. لذلك كان يرفض الانتظار، كما كان يرفض المغامرة. فالتاريخ ليس قطارا يسير على سكة واحدة، بل شبكة من الاحتمالات التي يحدد البشر مآلاتها من خلال الصراع.
ومن هنا جاء اهتمامه العميق بالفيلسوف الألماني والتر بنيامين. فقد وجد عنده تصورا مختلفا للزمن، لا باعتباره تقدما مستمرا، بل كسلسلة من الانقطاعات والقفزات والفرص الضائعة. لقد استعار منه فكرة أن الثورة ليست محرك التاريخ فقط، بل قد تكون أيضا "فرامل الطوارئ" التي تمنع البشرية من الاندفاع نحو الكارثة.
هذا التصور للزمن قاده إلى إعادة التفكير في الاستراتيجية الثورية. فلم يعد السؤال هو متى ستأتي الثورة، بل كيف تبنى الشروط السياسية والاجتماعية التي تجعلها ممكنة. ولذلك ركز على أهمية التنظيم، والعمل الجماهيري، والتحالفات، والانخراط في النضالات اليومية، دون فقدان الأفق الاشتراكي.
ولعل أحد أهم إسهاماته يتمثل في إعادة الاعتبار لمفهوم السياسة داخل الماركسية. فقد انتقد النزعة الاقتصادية التي اختزلت الصراع في تناقضات السوق، كما انتقد المقاربات الثقافوية التي همشت علاقات الإنتاج. بالنسبة إليه، السياسة ليست انعكاساً للاقتصاد، بل مجالا مستقلا نسبيا، تتحول فيه الإمكانيات الاجتماعية إلى وقائع تاريخية.
كما كان من أوائل الماركسيين الذين أدركوا أن الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تتجاهل القضايا البيئية. فقد رأى أن الأزمة الإيكولوجية ليست انحرافا عن الرأسمالية، بل نتيجة مباشرة لمنطقها القائم على التراكم اللامحدود. ولهذا فإن الدفاع عن البيئة لا ينفصل عن الدفاع عن العدالة الاجتماعية، لأن الرأسمالية تستنزف الإنسان والطبيعة بالمنطق نفسه.
وفي الوقت نفسه، دافع عن ضرورة انفتاح المشروع الاشتراكي على الحركات النسوية، ومناهضة العنصرية، وحقوق الشعوب المضطهدة، دون أن يتحول ذلك إلى تخل عن مركزية نقد علاقات الاستغلال الرأسمالية. كان يعتبر أن هذه النضالات لا تتناقض مع الصراع الطبقي، بل تغنيه وتوسعه.
لم يكن بنسعيد منظرا أكاديميا يعيش داخل الجامعة. فقد ظل مناضلا حتى أيامه الأخيرة، مشاركا في النقاشات الكبرى داخل الحركة المناهضة للعولمة، وفي المنتديات الاجتماعية العالمية، ومدافعا عن فكرة أممية جديدة تستجيب لعالم أصبحت فيه الرأسمالية أكثر عالمية من أي وقت مضى.
وتكتسب كتاباته اليوم أهمية خاصة، لأن العالم الذي وصفه أصبح أكثر تعقيدا. فالأزمات المالية تتكرر، والحروب تتوسع، والكوارث البيئية تتسارع، واليمين المتطرف يصعد في مختلف القارات. وكل ذلك يعيد إلى الواجهة السؤال الذي شغل حياته: كيف يمكن بناء بديل اشتراكي في زمن تبدو فيه الرأسمالية أكثر قوة، لكنها أيضا أكثر هشاشة؟
قد لا نجد عند دانييل بنسعيد أجوبة نهائية، لكنه يترك لنا شيئا أكثر قيمة: منهجا في التفكير. لقد علم أجيالا كاملة أن الماركسية ليست عقيدة مغلقة، بل نقد دائم؛ وأن الثورة ليست موعدا مكتوبا في التاريخ، بل إمكانية يصنعها البشر؛ وأن الهزائم لا تبرر الاستسلام، بل تدعو إلى مراجعة الأدوات وتجديد المشروع.
ولهذا يبقى دانييل بنسعيد أحد أهم الوجوه الفكرية التي أعادت إلى الماركسية روحها النقدية بعد انهيار اليقين، وأحد المفكرين الذين أثبتوا أن الوفاء الحقيقي لماركس لا يكون بتكرار عباراته، وإنما بمواصلة طرح الأسئلة التي لم يتوقف التاريخ عن إنتاجها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |