|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد محمد مهدي غلام
2026 / 7 / 18
حولي أصواتٌ تنادي
في كلّ نداء
يظهر النهر من وراء مسافة وأنا
لستُ عارفاً إن كان من خارجي يجري
أم
داخلي
"محمد بنيس"1
يا نهرَ رُوحي...
أَيُّ وَجْدٍ قَدْ تجلَّى،
في ليلِنا نورًا يُشِعُّ ويسري
مسحورٌ بهمسِ الرِّيحِ أَخترِقُ
المدى،
فيذوبُ صوتي في الفضاءِ
مُهاجِرا،
وأَنقُشُ للعِشقِ انْبِعاثَ حِكايتي،
وأَصوغُ من شُعلِ الضُّلوعِ مسارَها
في منفايَ يصعدُ من دمي ضوءٌ
زكيٌّ،
وكأَنِّي الحلَّاجُ2
إِذْ يصعدُ الوجدُ من جُرحِهِ،
فأُخفي اسْمَكِ
في سَبْرِ الرُّوحِ،
وأُعلِنُهُ نورًا
لا ينطفئُ
قدَّستُ شوقًا في دُموعي يزهرُ،
ومددتُ روحي في انسيابِ حنينِها
يَغتسِلُ الصَّبرُ الَّذي شاخَ الأَسى
فيهِ،
ويرفعُ حُلمُنا للغيابِ أَعتابَهُ
كأَنَّ دِجلةَ تحمِلُ الماءَ العتيقَ
من بابِ خُراسانَ3
إِلى حدائِقِ الخَيزُرانِ4،
فتوقِظُ في بغدادَ
مِسْكَ الجِنانِ
ورعشةَ الأُقْحوانِ
أَملِكُ هُدوءَكِ..
فاسكُني أَنفاسي
مفتونُ نبضِكِ..
لا أَرى إِلَّا الضِّياءَ
تتصدَّعُ الشَّمسُ الحزينةُ فوقَ
دمي،
ويمشي في شُروخِ اللَّيلِ نَغمٌ
يملؤُني.
أَبسُطُ جناحيَ..
ثُمَّ أَلثِمُ سُحُبَها،
وأُمدُّ ظِلِّي نحوَ بدرٍ ساهِرٍ
يا نهرَ رُوحي...
أَيُّ وَجْدٍ قَدْ تجلَّى،
في ليلِنا نورًا يُشِعُّ ويسري.
تحتَ الغمامِ ينامُ وَجْهُكِ ساهيًا
كوني سكينةَ نبضيَ المُتعبِ،
كُوني طُيوبًا تُسكِرُ النّفسَ بالهوى
قولي لِقلبي:
ها أَنا أَجِيءُ
قُولي لِلحُبِّ:
نَعمْ..
أَوْ قولي:
هُوَ ذا
فالمدُّ يخمدُ
حينَ يفتِكُ بِهِ الغِيابُ،
وامنحيني حينَ ترجِعينَ خُطْوتي،
وظِلًّا يُعيدُ لِلحياةِ توهُّجَها
فالعودُ يشتعِلُ اغتِرابًا
عيناكِ نبضُ النَّورِ في ليلِ القَوى،
والكفُّ تمضي في العواصِفِ
مُبحِرةً
وأَنا الَّذي ما زالَ يستوْقِدُ نارًا،
تأْتي مِنَ الغيبِ العليِّ،
وترفعُ الرُّوحَ إِلى مجراها
يا نهرَ رُوحي...
أَيُّ وَجْدٍ قَدْ تجلَّى،
في ليلِنا نورًا يُشِعُّ ويسري.
كأَنَّ الرَّشيدَ5 مرَّ من هُنا،
وتعطَّرتْ خُطاهُ
بمِسكِ* الخَيزُرانِ،
فأَورقَ الأُقحوانُ**
في بنانِ (الباءِ)
الكودا
هذا هُيامي..
لا يُفرِّطُ في النَّدى،
ويسقيني الشَّوْقُ
الَّذي لا ينقضي
حتَّى أَرى رُوحي تُحلِّقُ ناعِمًا،
فوقَ الزَّمانِ،
فيستقيمُ لها المَدى
هامش الإحالات ..
1. محمد بنيس
شاعر مغربي معاصر، من أبرز أصوات الحداثة الشعرية العربية. المقطع المثبَّت في الاستهلال مأخوذ من قصيدته " أهبط إليك "، وفيه يغدو النهر رمزًا لتداخل الخارج بالداخل،وفضاءً لتداخل الذات والذاكرة والمتخيل بالوجود، وهو أفق دلالي يلتقي مع مناخ القصيدة.
2. الحلاج
الحسين بن منصور الحلاج (858-922م)، شاعر ومتصوف فارسي الأصل، عُرف بتجربته الروحية العميقة وقوله الشهير "أنا الحق". أصبح رمزًا للعشق الإلهي والفناء الصوفي،
ولقوله ذلك كفره القاضي أبو عمر المالكي في بغداد ونفذ الخليفة حكمه فصلب على باب كيسان وقطعت يداه ورجلاه ثم فصل رأسه عن جسده ثم أحرقت جثته ورمي رماده في نهر دجلة،
واستحضاره في القصيدة يحيل إلى الوجد والتماهي الروحي والتوحد مع المعشوق حتى الفناء ( الخلاص).
3. باب خُراسان
أحد أبواب بغداد الشرقية في العصر العباسي، وكان منفذًا للقوافل القادمة من خراسان. ويرتبط في الذاكرة التاريخية بالمكان الذي نُصب فيه خشب الحلاج بعد محاكمته، فغدا علامة على الفداء والوجد الصوفي.
4. الخيزران
هي الخيزران بنت عطاء، زوجة الخليفة المهدي العباسي، ووالدة الخليفتين الهادي وهارون الرشيد. نُسبت إليها حدائق وقصور ومرافق عمرانية في بغداد، وصارت رمزًا للألق الحضاري العباسي.
5. الرشيد
هارون الرشيد (766-809م)، خامس الخلفاء العباسيين، ارتبط عصره بازدهار بغداد ثقافيًا وحضاريًا وأسطوريًا( ألف ليلة وليلة )، وأصبح حضوره في المخيال العربي مرادفًا لخلود بهاء المدينة العباسية وعظمتها وعمرانها.
*المسك
رمز للعطر والطهر والصفاء في المخيال العربي والصوفي.
**الأقحوان
زهرة ترمز إلى البراءة والوداعة والنقاء، وقد استعملت في القصيدة بوصفها قرينًا لجنان الماء وخصوبة الذاكرة.
(وعلى العموم فأن :
مسك الخيزران /الجنان، والأقحوان، وبنان الباء( بغداد)...، هي صور رمزية تستدعي عطر الفردوس وخصوبة الماء ونقاء الذاكرة، وتندمج مع استعادة بغداد المنصور والرشيد العباسية بوصفها فضاءً للحنين والوجد)
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |