معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب

يحيى الشيخ
2026 / 7 / 18

منذ تعرّف الإنسان على نفسه، تمثلت معضلته البنيوية الكبرى في كيفية التعامل معها. ولأنها الأقرب إليه من حبل الوريد، تبدو أشكال التعامل معها متيسرة كلها وبمتناول اليد: مناجاة النفس، جلد الذات، التواطؤ معها، الصدق أو الكذب، الهرب منها أو مطاردتها، وكل ما يمكن للإنسان الإتيان به من غير كلفة ولا تكليف وبسرية تامة في حرية مطلقة لا يملك أحد سواها عليه سلطاناً.
إلا أن هذا القرب الشديد هو أول أوهام الوعي؛ إذ تصبح النفس الكيان الأكثر غموضاً ومراوغة. فالذات العارفة هي ذاتها الذات المعروفة، "كعين تحاول رصد نفسها بلا مرآة". ومن هنا ينشأ التواطؤ مع النفس كنوع من "الوعي الزائف" والتبرير الذي نحتمي به من مواجهة حقيقتنا. أما الخسارات والأرباح في هذه المعركة السرية فلها حسابات أخرى، ولها وقتها الخاص. بيد أن الوقت الآن هو الجواب على كيفية الوصول إلى ما يجعل الإنسان واثقاً مما يفعل، سواء أكان يجلد ذاته إثر وطأة "الأنا الأعلى" والضمير الصارم، أم كان يعظّم أجرها ومكانتها.
إن ما حدث للمجتمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ هو نتيجة مباشرة لطريقة تعامل أفرادها مع أنفسهم. فالمجتمعات التي تعامل إنسانها بوضوح مع نفسه، وفهم متطلباتها وقدر دورها بفعل الفكر السائد الذي تربى عليه والمعتقدات المشتركة، ازدهرت قلوب أفرادها، وتوازنت حياتهم على المدى البعيد. لقد كانت "الثقافات القومية"، والتقاليد الموروثة، والروابط الأسرية، والطقوس الاجتماعية الممتدة بمثابة "الحرّاس الأمناء"؛ صمامات أمان ومصدات نفسية تقي الفرد قسوة القلق الوجودي وتمنحه معنى مشتركاً يلتف حوله.
أما اليوم، فيواجه الإنسان المعاصر تهديداً بنيوياً غير مسبوق في ظل عاصفة العولمة والسيولة الوجودية. لقد ذوّبت الحداثة السائلة هذه المصدات الصلبة، وتلاشت الخصوصيات الثقافية لصالح نمط استهلاكي مادي موحد، فجُرِّد الفرد من حراسه الأمناء وتُرك وحيداً عارياً في مواجهة تيارات التنميط والاغتراب.
أمام هذا التفتت الوجودي، تبرز الحاجة الملحة إلى ما يسميه علماء النفس الوجوديون بـ "المثبتات النفسية، وهي الركائز البنيوية التي تعيد للفرد والمجتمع توازنه الداخلي وقدرته على الصمود أمام عواصف التغيير والشتات. إن استعادة هذه المثبتات ليست دعوة للتقوقع في الماضي، بل هي عملية بناء واعية لـ "مصدات أمان" جديدة تتناسب مع تعقيد العصر المعاصر.
إن توازن المجتمعات وازدهارها لم يكن يوماً حالة من السلام الساكن والسهل مع النفس، بل هو نتاج وعي جمعي شجاع، يتقبل تقلبات الذات الإنسانية وصراعاتها السرية، ويوجهها نحو البناء بدلاً من الهدم والإنكار. إن استعادة حراس النفس تبدأ من الاعتراف بأننا، ورغم عواصف العالم الخارجي، ما زلنا نملك ذلك الحيز السري الداخلي، وبإمكاننا دوماً صياغة أسئلته لتتحول من جلد الذات والتواطؤ معها، إلى مكاشفتها الشجاعة وصناعة سلامها الخاص.
إن الحديث عن "الصدمة النفسية العابرة للأجيال" يأخذنا إلى واحدة من أعمق الظواهر النفسية وأكثرها تأثيراً على مصائر الشعوب. إنها ببساطة تعني أن الصدمة الكبرى (كالحروب، والتهجير، والإبادة) لا تموت بموت الجيل الذي عاصرها، بل تنتقل كتركة نفسية وبيولوجية غير مرئية إلى الأبناء والأحفاد، الذين يجدون أنفسهم يعانون من أعراض الخوف، والاكتئاب، والترقب دون أن يكونوا قد خاضوا حرباً واحدة في حياتهم. غير أن تكرار قصص المآسي والاضطهاد بشكل يجعل الجيل الجديد يشعر بالذنب لأنه يعيش حياة أفضل، أو يجعله يحمل ثأراً وغضباً تاريخياً ليس له يد فيه.
إذا أردنا تفكيك هذا المشهد، نجد أن ما نصفه بـ"فقدان الذات والخصوصية" لصالح التماهي الجماعي المشحون بالخرافة أو المأساة، يعود إلى ميكانيزمات دفاعية واجتماعية محددة وفي مقدمتها سيكولوجية الحشد والذوبان في "القطيع". عندما يتعرض مجتمع ما لسلسلة من الصدمات الوجودية المتلاحقة (حروب، حصار، استبداد، فوضى)، ينهار لدى الإنسان البسيط الشعور بالأمان الفردي. هنا، يصف علماء نفس الجماهير كيف يتخلى الفرد عن وعيه النقدي الخاص وخصوصيته ليذوب في "عقل جمعي" أو حشد. فالذوبان في المجموع يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقوة والأمان وحماية الهوية وسط عالم خارجي منهار ومخيف. يصبح الانتماء للمذهب أو الطقس هو المعرّف الوحيد للذات بعد أن سُلبت من الإنسان إنسانيته الفردية وقيمته كمواطن.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن