أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول

حسين سالم مرجين
2026 / 7 / 17

إلى أين يتجه التعليم في ليبيا؟ سؤالٌ جوهري لا يزال يبحث عن إجابات حقيقية، بل إنه بات يقرع بقوة رؤوس المسؤولين وصناع القرار في الدولة. إن تشخيص الواقع التعليمي الراهن يدفعنا إلى طرح تساؤل أكثر عمقاً: هل يمكن إصلاح منظومة تعليمية بشكل مفكك؟
من منظور علمي وعملي، لا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي بمعزل عن إصلاح التعليم العالي. كما لا يمكن فصل منظومة الدراسات العليا عن التعليم الجامعي والتقني. فالتعليم حلقة متكاملة؛ وأي خلل في مدخلات مرحلة ما، يؤثر حتماً على مخرجات المرحلة التي تليها.
إن ما نشهده اليوم في ليبيا لا يتعدى كونه محاولات تسكين مؤقتة لتقليص الأزمات المتراكمة، وهي أشبه بتقديم مهدئات موضعية بدلاً من كتابة وصفة علاجية جذرية تستأصل المرض. فعندما تُصدر وزارات التعليم لوائح أو مناشير تنظيرية مفاجئة؛ كما حدث مؤخراً في ملف التعليم الخاص، يبرز السؤال المقلق: هل تستند هذه القرارات إلى دراسات واقعية وتحليل بيانات علمي، أم أنها وليدة خواطر وأهواء وتوجهات فردية؟
حتى وإن كانت لبعض هذه القرارات مبرراتها الآنية، فإن معطيات الواقع والتجارب الدولية في إصلاح التعليم تؤكد أن السياسات التعليمية لا تُبنى على الانطباعات الفردية. إن عملية الإصلاح في الدول التي تمر بمراحل انتقالية أو ظروف هشاشة يجب أن تمر بمراحل تشاورية متعددة، وألا تكون منفصلة عن الاستراتيجية الوطنية الكبرى.
وهنا نسارع إلى القول إن إصلاح قطاع مثل التعليم الخاص لا يتم بقرارات وزارية فوقية ومجزّأة، بل يجب أن يندرج ضمن خطة وطنية شاملة. تنطلق هذه الخطة من تشخيص دقيق للواقع، وتحدد التحديات بوضوح، وترسم خارطة طريق زمنية ذات نتائج قابلة للقياس، بما يضمن بناء منظومة تعليمية مرنة ومستدامة وقادرة على صناعة المستقبل
هذا التخبط الإداري يقودنا إلى تساؤلات أعمق طرحناها في قراءات سابقة: ماذا نريد من التعليم بمراحله كافة؟ وهل تخدم العشوائية الحالية مستقبل البلاد؟
إن الواقع الراهن يضعنا أمام مفارقات صادمة. فهل نحتاج حقًا إلى مئتي جامعة خاصة معتمدة؟ وهل يعقل تكرار مئات الكليات والأقسام العلمية دون جدوى تنموية؟ وما الهدف الضمني من هذا المسار: هل هو تصفية القطاع العام وإلغاء إلزامية التعليم الأساسي، أم أن الغاية هي التوسع العشوائي في برامج الدراسات العليا في كل مدينة وقرية، لمجرد تلبية الوجاهة الاجتماعية، والتمكين لثقافة المظهر على حساب الجوهر العلمي—كما يرى بعض مسؤولي القطاع؟
إن الإشكالية الكبرى تكمن في استمرار إدارة التعليم بعقلية الفكر الأوحد، أي فكر الوزير وبطانته الاستشارية، بمعزل عن الرؤية الوطنية الشاملة.
ضمن هذا السياق، فإنه عندما تشتد الأزمات في ليبيا، أو تبرز بوادر النزاعات والحروب، أكاد أجزم بأن الأسباب العميقة لذلك تعود إلى منظومة التعليم. فقد صار الإنتاج المعرفي والمخرجات التعليمية ضعيفة إلى درجة أنها عجزت عن توليد حلول عملية لأزمات الواقع، كما انعكس ذلك على الوعي المجتمعي، فهبط إلى مستويات تُضعف المنطق وتُغلب عقلية القوة. وتبدو هذه المرحلة أقرب إلى منطق قانون الغاب في التفكير والمنهجية؛ وحين يعجز الفكر عن أداء وظيفته في تفسير المشكلات وإدارتها، تميل النزاعات إلى التحول إلى صراع مفتوح.
وهذا العجز الفكري يعيدنا إلى فجر البشرية؛ فعندما عجز الإنسان في أولى مراحل تكوينه عن مواراة سوءة أخيه، بعث الله له غرابًا ليعلمه. وتُظهر هذه الحادثة أن الإنسان، برغم كونه مستخلفًا، قد يعجز عن إدراك أبسط الحلول في لحظات الصراع، فيتعلمها من الطبيعة.
واليوم، وفي ظل انسداد أفق الحلول التعليمية، أفلا نحتاج مجددًا إلى إعادة قراءة تلك الدروس؟ أفلا نحتاج إلى فهم كيف تنظم الكائنات الفطرية شؤونها وتدير نزاعاتها بما يحمي بقـاءها، في حين تعجز منظوماتنا التعليمية المكتظة بالشهادات والألقاب عن صيانة السلم المجتمعي؟
إن الاستمرار بالتعليم وفق هذه المقاربات العشوائية لن ينتج إلا مزيدًا من التخلف والنزاعات. لذلك نحن بحاجة ماسة إلى إصلاح جذري شامل يمس مفاصل المنظومة كافة. وينبغي أن يكون هذا الإصلاح بمنأى عن تقلبات الحكومات والحقائب السياسية المتغيرة؛ أي أن تُنزع عنه يد وزارات التعليم المؤقتة، ويُسند إلى مجلس وطني أعلى للتعليم: مجلس مستقل يضمّ النخب والعقول الاستراتيجية، ويتولى قيادة هذه القضية الوطنية المصيرية بعيدًا عن التجاذبات السياسية والأهواء الفردية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن