|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 7 / 16
لا تكمن قيمة الزيارات السياسية في عددالمصافحات ولا في طول البيانات الختامية، بل في الأسئلة التي تتركها معلقة فوق رؤوس الشعوب. فهناك لقاءات تُنتج اتفاقات، ولقاءات تُنتج خلافات، أما اللقاء الذي جمع علي الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد أنتج شيئًا أكثر تعقيدًا؛ لقد أعاد إنتاج السؤال العراقي نفسه. سؤالٌ لم يتغير منذ عقود، لكنه كان يبدل وجوهه كلما تبدلت الحكومات: هل يستطيع العراق أن يكون دولة كاملة الإرادة، أم أنه سيظل مساحة تتفاوض فوقها القوى الكبرى بينما ينتظر أبناؤه نتائج المفاوضات؟.. إن التصريحات التي خرج بها الطرفان لا تستحق أن تُقرأ بوصفها أخبارًا، بل بوصفها نصًا سياسيًا يحمل طبقات متعددة من المعاني. فكل عبارة كانت تخفي خلفها سؤالًا أكبر منها. وعندما قال ترامب إن الولايات المتحدة لم تعد تحتاج إلى وجود عسكري واسع داخل العراق، لم يكن يتحدث عن انسحاب الجنود فقط، بل كان يعلن انتهاء مرحلة كاملة من إدارة النفوذ، وبداية مرحلة جديدة يصبح الاقتصاد فيها أكثر فاعلية من الدبابة، والشركة أكثر تأثيرًا من القاعدة العسكرية، والاستثمار أكثر قدرة على تشكيل القرار من حاملات الطائرات. فهل أدرك العراق أن العالم قد غيّر أدواته بينما ما زال بعض ساسته يتحدثون بلغة الحروب القديمة؟
وعندما أعلن علي الزيدي أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، لم يكن يطرح مشروعًا أمنيًا، بل كان يضع تعريفًا جديدًا للدولة العراقية. فالدولة ليست أرضًا وحدودًا وعلمًا، وإنما هي احتكار الشرعية. وكل سلاح لا يخضع للقانون لا يشكل تهديدًا للحكومة فحسب، بل يشكل تهديدًا لفكرة الوطن ذاتها، لأن الوطن الذي تتعدد فيه مصادر القوة يفقد القدرة على إنتاج العدالة. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا: هل يمتلك العراق الإرادة الكافية لتحويل هذا الإعلان إلى واقع، أم أن التاريخ سيضيفه إلى قائمة الوعود المؤجلة؟
والأكثر إثارة أن الزيدي لم يتحدث عن نزع السلاح بوصفه نهاية لفريق، بل بوصفه بداية لتحول سياسي، إذ فتح باب الانتقال من العمل المسلح إلى العمل المدني. وهذه ليست مجرد معالجة أمنية، بل محاولة فلسفية لإعادة تعريف الخصومة داخل الدولة؛ فالاختلاف يجب أن ينتقل من لغة الرصاص إلى لغة الصندوق، ومن البندقية إلى البرنامج السياسي، لأن الأمم التي تتنافس بالأفكار لا تحتاج إلى دفن أبنائها كل صباح.
أما حديث ترامب عن تراجع النفوذ الإيراني، فهو لا يخص إيران وحدها، بل يخص العراق أولًا. إذ يطرح سؤالًا بالغ الخطورة: هل يريد العراقيون استقلالًا حقيقيًا، أم مجرد انتقال من تأثير خارجي إلى تأثير خارجي آخر؟ إن السيادة لا تُقاس باسم الدولة التي تؤثر في القرار، بل بقدرة القرار على أن يُولد من داخل بغداد وحدها. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في ابتعاد هذا النفوذ أو ذاك، بل في قدرة العراق على منع عودة أي وصاية مهما كان لونها أو لغتها أو مصالحها.ثم يأتي الاقتصاد، لا بوصفه ملفًا ماليًا، بل بوصفه فلسفة جديدة للحكم. فالعراق الذي دفع مئات المليارات في الحروب لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، وإنما يحتاج إلى مصانع، ومختبرات، وجامعات، وموانئ، ومدن ذكية، لأن الثروة التي لا تتحول إلى معرفة ليست سوى رقم ضخم ينام في باطن الأرض. ومن هنا تبدو دعوة الزيدي إلى شراكة اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة محاولة لنقل العراق من زمن الأمن المؤقت إلى زمن التنمية المستدامة، وهي معادلة لن تنجح إلا إذا أصبحت مصلحة العراقي فوق كل اصطفاف.ولعل السؤال الذي لم يُطرح في المؤتمر الصحفي هو الأهم: ماذا لو نجح هذا المشروع؟ وماذا لو فشل؟ فإذا نجح، فإن العراق سيدخل مرحلة لم يعرفها منذ عقود، مرحلة يكون فيها القرار الاقتصادي هو الذي يقود القرار السياسي. أما إذا فشل، فإن البلاد ستعود إلى المربع الذي استنزفها طويلًا؛ مربع السلاح والولاءات والانقسامات التي تلتهم المستقبل قبل أن يولد.
وهكذا تبدو الزيارة، في جوهرها، ليست رحلة دبلوماسية، بل امتحانًا تاريخيًا للعراق نفسه. فالولايات المتحدة ستغادر أو تبقى وفق مصالحها، والدول الإقليمية ستواصل البحث عن نفوذها، لكن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: هل يملك العراق مشروعًا وطنيًا يجعل الآخرين يتعاملون معه بوصفه دولة، لا بوصفه ساحة؟ ذلك هو السؤال الذي لم يُكتب في البيان المشترك، لكنه كان حاضرًا في كل كلمة قيلت، وسيبقى الجواب عنه هو الذي يحدد شكل العراق في السنوات القادمة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |