|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 7 / 16
ما الذي يدفع دولةً تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم إلى انتظار طائرة تحمل أوراقاً نقدية من خلف البحار؟ وما الذي يجعل حكومةً منتخبةً تدخل مفاوضاتٍ شاقة لا من أجل مشروع استراتيجي أو اتفاقية تاريخية، بل من أجل أن تضمن وصول أموالها إليها؟ وما الذي يدفع وطناً يمتد عمر حضارته إلى آلاف السنين إلى أن يتحول ملفُّ سلاحه وماله وسيادته إلى بنودٍ تُناقش فوق طاولات الآخرين؟ إن هذه الأسئلة لا تتحدث عن الدولار كما يظن البعض، بل تتحدث عن الدولة، فالأزمات المالية يمكن أن تُحل، أما أزمة الدولة فلا تُحل إلا إذا امتلكت القدرة على استعادة نفسها.إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأوطان ليس أن تُهزم في حرب، بل أن تتعايش مع فكرة الهزيمة دون أن تشعر بذلك. فالهزيمة الحديثة لا تأتي دائماً على ظهر دبابة، بل قد تأتي داخل حقيبة أموال، أو داخل مؤسسة أُفرغت من معناها، أو داخل بندٍ صغير يُضاف إلى اتفاق سياسي طويل. لقد نجحت الفلسفات السياسية الحديثة في تعريف الدولة باعتبارها الكيان الوحيد الذي يحتكر القوة ويحمي القانون ويدير الثروة، وكل ما عدا ذلك ليس دولة كاملة، بل مشروع دولة ما زال يبحث عن نفسه وسط الضجيج.ولعل المأساة العراقية الأكثر إيلاماً أن العراق لم يعد يخوض معاركه الكبرى خارج حدوده، بل أصبح يخوضها داخل تعريفاته الأولى، فهو ما زال يسأل نفسه عن معنى الدولة، وعن حدود السلطة، وعن الجهة التي تمتلك حق حمل السلاح، وعن الجهة التي تمتلك حق التصرف بثرواته. لقد تحول السؤال العراقي من سؤال التنمية إلى سؤال البقاء، ومن سؤال المستقبل إلى سؤال الهوية السياسية للدولة ذاتها.ما الذي تريده الولايات المتحدة من العراق؟ سؤال يتردد كثيراً، لكن السؤال الأهم هو ماذا يريد العراق من العراق؟ فواشنطن لم تقل لبغداد هذه المرة غيّروا نظامكم السياسي أو غيّروا دستوركم، بل قالت لها ببساطة: اجعلوا الدولار يصل إلى العراقيين ولا تجعلوه يصل إلى الجماعات المسلحة أو إلى الجهات التي تلتف على العقوبات الدولية. وقد يبدو هذا الطلب مالياً في ظاهره، لكنه في جوهره سياسي وفلسفي عميق، لأنه يُعيد طرح السؤال الأول الذي تهرب منه الحكومات المتعاقبة منذ سنوات طويلة، من يحكم العراق فعلاً؟
إن المشكلة لم تكن يوماً في الدولار، فالدولار لا يحمل بندقية ولا يحتل مؤسسة ولا يصنع ولاءات عابرة للحدود، إنه مجرد ورقة. أما المشكلة الحقيقية فهي الطريق الذي يسلكه هذا الدولار، والجهات التي تقرر وجهته النهائية. ولهذا السبب تحولت الحرب على تهريب الدولار إلى حرب على خرائط النفوذ ذاتها، فالمال ليس مجرد اقتصاد، بل هو الوجه الآخر للسلطة، وكل سلطة تمتلك المال تمتلك القدرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها.لقد اكتشف العالم مبكراً أن أخطر أنواع السلاح ليس ذلك الذي يُطلق الرصاص، بل ذلك الذي يمتلك القدرة على شراء المستقبل. ومن هنا جاء الضغط الأمريكي هذه المرة أكثر عمقاً وأشد قسوة، فهو لا يواجه الفصائل المسلحة عبر الصواريخ، بل عبر تجفيف الطرق التي تمنحها القدرة على الحركة والنفوذ والاستمرار. إنها حرب المصارف لا حرب المدافع، وحرب الأرقام لا حرب البيانات السياسية.لكن هل تستطيع الحكومة العراقية أن تفعل ذلك؟ هنا تبدأ الأسئلة الأكثر تعقيداً. فالحديث عن نزع السلاح أسهل كثيراً من القدرة على نزعه، والحديث عن حصره بيد الدولة أكثر سهولة من صناعة دولة تمتلك فعلاً القدرة على احتكاره. إن السلاح لا يعيش فوق الأكتاف فقط، بل يعيش داخل المصالح والتحالفات والمؤسسات، ولهذا فإن تسليم قطعة الحديد لا يعني بالضرورة تسليم المشروع الذي كان يحملها.لقد تعلمت الجماعات المسلحة عبر السنوات كيف تتحرك داخل مساحات الرماد السياسي، فهي جزء من الدولة عندما يتعلق الأمر بالموازنات والرواتب والامتيازات، لكنها تتحول إلى مشروع مستقل عندما يتعلق الأمر بالقرار والولاءات. وهذه الازدواجية ليست مجرد إشكالية قانونية، بل هي أزمة فلسفية في تعريف السلطة ذاتها، لأن السلطة لا تقبل الشراكة في أدواتها الأساسية، فلا يوجد في التاريخ ما يسمى بنصف دولة تمتلك نصف سلاحها ونصف قرارها ونصف سيادتها.إن الذين يتحدثون عن استحالة إنهاء هذا الملف ينسون أن كل الأزمات السياسية تبدو مستحيلة قبل لحظة حلها، كما أن الذين يتحدثون عن سهولة حله ينسون أن الملفات التي تراكمت طوال أكثر من عقدين لا يمكن اختصارها بخطاب سياسي أو اتفاق عابر. فالحقيقة تقف في منتصف المشهد، إذ يحتاج العراق إلى إرادة سياسية تمتلك الشجاعة، وإلى مشروع وطني يمتلك الصبر، وإلى دولة تمتلك القدرة على التفريق الواضح والحاسم بين المؤسسة الرسمية وأي قوة أخرى مهما كان اسمها أو تاريخها أو حجمها.إن الدولة لا تطلب الإذن لكي تحكم، ولا تستعير هيبتها من الآخرين، ولا تفاوض أحداً على حقها الطبيعي في احتكار القانون والقوة والثروة. فهذه ليست امتيازات تُمنح لها، بل هي تعريفها الأول والأخير. وما إن تضطر الدولة إلى التفاوض على هذه الحقوق حتى تكون قد دخلت مرحلة الأسئلة الكبرى التي تهدد معناها ووجودها.العراق لا يقف اليوم أمام أزمة دولار، بل أمام امتحان تاريخي يتجاوز الورقة النقدية إلى معنى الوطن نفسه. فالدولار سيصل أو يتوقف، والعقوبات قد تُفرض أو تُرفع، أما السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق هذا الوطن طويلاً فهو: هل يمتلك العراق الشجاعة الكافية لكي يستعيد نفسه؟.. إن المستقبل لا يُصنع بالسلاح المنفلت، ولا بالولاءات المتعددة، ولا بالحلول المؤقتة، بل يُصنع بدولة لا تمتلك أكثر من عنوان واحد وسقف واحد وقرار واحد. وما عدا ذلك ليس سوى محاولات مؤجلة للإجابة عن السؤال الذي يرفض مغادرة المشهد العراقي منذ سنوات طويلة؛ متى يصبح العراق ملكاً للعراق وحده؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |